الصفحة 307 من 574

من سلع أخرى في وقت الحاجة، فلا يكون في اكتنازها ضمان الحصول

على شتى الطلبات في كل حين.

وعلى العكس من ذلك كله النقد، فإنه قابل للبقاء والادخار، ولا

يكلف اكتنازه شيئًا من النفقات، كما أنه بوصفه الوكيل العام عن السلع

يضمن للمكتنز قدرته على شراء أي سلعة شاء، في كل وقت.

وهكذا توفرت دواعي الاكتناز لدى المجتمعات التي بدأت المبادلة

فيها تقوم على أساس النقود، وعلى أساس النقود الذهبية والفضية بوجه خاص.

ونجم عن ذلك: أن تخلت المبادلة عن وظيفتها الصالحة في الحياة

الاقتصادية، كواسطة بين الإنتاج والاستهلاك، وأصبحت واسطة بين

الإنتاج والادخار. فالبائع ينتج ويبيع ويبادل منتوجه بنقد ليدخر هذا النقد

ويضمه إلى ثروته المكتنزة، والمشتري يقدم النقد إلى البائع ليحصل على

السلعة التي يبيعها، ثم لا يتمكن هو بعد ذلك أن يبيع منتوجه بدوره، لأن

البائع اكتنز النقد وسحبه من مجال التداول.

ونتج عن ذلك أيضًا اختلال كبير في التوازن بين كمية العرض وكمية

الطلب: ذلك أن العرض والطلب كانا يميلان إلى التساوي في عصر المقايضة،

لأن كل منتج كان ينتج لإشباع حاجاته واستبدال الفائض عن حاجته بسلع

أخرى يحتاجها في حياته، من غير النوع الذي ينتجه. فالمنتوج دائمًا يوازي

حاجته، أي أن العرض دائمًا يجد طلبًا مساويًا له. وبذلك تتجه أثمان السوق

إلى درجتها الطبيعية، التي تعبر عن القيم الحقيقية للسلع وأهميتها الواقعية في

حياة المستهلكين وبعد أن بدأ عصر النقد وسيطر النقد على التجارة، واتجه

الإنتاج والبيع اتجاهًا جديدًا حتى أصبح الإنتاج والبيع لأجل اكتناز النقد

وتنمية الملك لا لأجل إشباع الحاجة. عند ذلك يختل طبعًا التوازن بين العرض

والطلب، وتلعب دواعي الاحتكار دورها الخطير في تعميق هذا التناقض

بين العرض والطلب، حتى أن المحتكر قد يخلق طلبًا كاذبًا فيشتري كل

أفراد السلعة من السوق لا لحاجته إليها بل ليرفع ثمنها، أو يعرض السلعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت