فهرس الكتاب
بأثمان دون كفلتها، بقصد إلجاء المنتجين والبائعين الآخرين إلى الانسحاب
من ميدان التنافس وإعلان الإفلاس.. وهكذا تتخذ الأثمان وضعًا غير
طبيعي، ويصبح السوق تحت سيطرة الاحتكار، ويتهاوى آلاف البائعين
والمنتجين الصغار كل حين، بين أيدي المحتكرين الكبار الذين سيطروا على
السوق.
ثم ماذا بعد ذلك؟! ليس بعد ذلك إلا أن نرى الأقوياء في الحقل
الاقتصادي، يغتنمون هذه الفرص التي أتاحها لهم النقد، فيتجهون نحو
الاكتناز بكل قواهم، نحو البيع لأجل الادخار، فيظلون ينتجون ويبيعون
ليسحبوا النقد المتداول في المجتمع إلى كنوزهم، ويمتصوه بالتدريج،
ويعطلوا وظيفة المبادلة كواسطة بين الإنتاج والاستهلاك، ويضطروا الكثرة
الكاثرة إلى مهاوي البؤس والفقر، وبالتالي يتوقف الاستهلاك، نظرًا إلى
انخفاض المستوى الاقتصادي للجمهور وعجزهم عن الشراء، كما تتعطل
حركة الإنتاج، لأن انعدام القدرة الشرائية عند المستهلكين أو انخفاضها
يجرد الإنتاج من أرباحه، ويعم الكساد شعب الحياة الاقتصادية كلها.
ولا تقف مشاكل النقد عند هذا الحد، بل إن النقد قد أدى إلى مشكلة
قد تكون أخطر من المشاكل التي عرضناها. فلم يقتصر النقد على أن يكون
أداة اكتناز، بل أصبح أداة تنمية للمال عن طريق الفائدة التي يتقاضاها
الدائنون من مدينيهم، أو يتقاضاها أصحاب الأموال من المصارف الرأسمالية
التي يودعون أموالهم فيها.. وهكذا أصبح الاكتناز في البيئة الرأسمالية سببًا
لتنمية الثروة بدلًا عن الإنتاج، وانسحبت بذلك رؤوس أموال كثيرة
من حقل الإنتاج إلى صناديق الادخار في المصارف، وأصبح التاجر لا يقدم
على مشروع من مشاريع الإنتاج والتجارة، إلا إذا اطمأن إلى أن الربح
الذي يدرّه المشروع عادة أكثر من الفائدة التي يمكن أن يحصل عليها عن
طريق إقراض ماله، أو إبداعه في المصارف.
وأخذت الأموال على أساس الفائدة الربوية تتسرب إلى الصيارفة منذ