حسنًا، ولكنا الآن يجب أن نعرف عن المذهب الاقتصادي أكثر من
هذا، لنستطيع أن نضبط في ضوء مفهومنا عنه المجالات التي يعمل فيها،
ثم نفحص كل ما يتصل من الإسلام بتلك المجالات.
ففي أي حقل يعمل المذهب الاقتصادي؟، وإلى أي مدى يمتد؟،
وما هي الصفة العامة التي نجدها في كل فكر اقتصادي مذهبي، لنجعل
من تلك الصفة علامة فارقة للأفكار المذهبية في الإسلام، التي نحاول جمعها
وتنسيقها في إطراد واحد؟
إن هذه الأسئلة تتطلب أن نعطي للمذهب المتميز عن العلم مفهومًا
محددًا، قادرًا على الجواب عن كل هذه الأسئلة، ولا يكفي بهذا الصدد
القول: بأن المذهب مجرد طريقة.
إن هناك من يعتبر مجال المذهب مقتصرًا على توزيع الثروة فحسب،
فلا علاقة للمذهب بالإنتاج، لأن عملية إنتاج الحنطة أو النسيج مثلًا تتحكم
فيها القوانين العلمية، ومستوى المعرفة البشرية بعناصر الإنتاج وخصائصها
وقواها، ولا تختلف عملية إنتاج الحنطة أو النسيج باختلاف طبيعة المذهب
الاقتصادي. فعلم الاقتصاد هو: علم قوانين الإنتاج. والمذهب الاقتصادي
هو: فن توزيع الثروة. وكل بحث يتعلق بالإنتاج وتحسينه وإيجاد وسائله
وتحسينها فهو من علم الاقتصاد، وذو صفة عالمية لا تتفاوت فيه الأمم
تبعًا لاختلاف مبادئها ومفاهيمها الاجتماعية، ولا يختص به مبدأ دون
مبدأ. وكل بحث يبين الثروة وتملكها والتصرف فيها فهو بحث مذهبي،
ومن النظام الاقتصادي وليس من علم الاقتصاد ولا يرتبط به، وإنما يرتبط
بإحدى وجهات النظر في الحياة التي تتبناها المذاهب المختلفة من رأسمالية
واشتراكية وإسلام.
وهذا الفصل بين العلم والمذهب_ علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي_
على أساس اختلاف المجال الذي يمارسه أحدهما عن مجال الآخر. ينطوي
على خطأ كبير، لأنه يؤدي إلى اعتبار الصفة المذهبية والصفة العلمية
نتيجتين لنوعية المجال المدروس. فإذا كان البحث في الإنتاج فهو بحث