الصفحة 313 من 574

علمي، وإذا كان في التوزيع فهو بحث مذهبي. مع أن العلم والمذهب

مختلفان في طريقة البحث وأهدافه، لا في موضوعه ومجالاته. فالبحث

المذهبي يظل مذهبيًا ومحافظًا على طابعه ما دام يلتزم طريقته وأهدافه الخاصة،

ولو تناول الإنتاج نفسه. كما أن البحث العلمي لا يفقد طبيعته العلمية إذا

تكلم عن التوزيع ودرسه بالطريقة والأهداف التي تتناسب مع العلم.

ولأجل ذلك نجد أن فكرة التخطيط المركزي للإنتاج_ التي تتيح

للدولة الحق في وضع سياسة الإنتاج والإشراف عليه_ هي إحدى النظريات

المذهبية المهمة، التي تعتبر من مقومات بعض المذاهب أو الأنظمة الإشتراكية،

أو ذات الاتجاه الاشتراكي، مع أننا نعلم أن التخطيط المركزي للإنتاج

والسماح لهيئة عليا كالدولة بممارسة هذا التخطيط. لا يعني تملك تلك

الهيئة لوسائل الإنتاج، ولا يتصل بمسألة توزيع هذه الوسائل على الأفراد.

ففكرة التخطيط المركزي للإنتاج إذن فكرة مذهبية، تتصل بالمذهب

الاقتصادي، وليست بحثًا علميًا بالرغم من أنها تعالج الإنتاج لا التوزيع.

وعلى العكس قد نجد كثيرًا من الأفكار التي تعالج قضايا التوزيع

تندرج في علم الاقتصاد، بالرغم من صلتها بالتوزيع دون الإنتاج

ف (ريكاردو) حين كان يقرر مثلًا: أن نصيب العمال من الثروة المنتجة،

الذي يتمثل فيما يتقاضونه من أجور، لا يزيد بحال من الأحوال عن القدر

الذي يتيح لهم معيشة الكفاف.. لم يكن يقصد بذلك أن يقرر شيئًا مذهبيًا

ولا أن يطلب من الحكومات فرضه نظامًا اقتصاديًا للأجور، كنظام الملكية

الخاصة والحرية الاقتصادية، وإنما كان يحاول أن يشرح الواقع الذي يعيشه

العمال والنتيجة الحتمية لهذا الواقع، بالرغم من عدم تبني الدولة لفرض

حد أعلى من الأجور، وإيمانها بالحرية الاقتصادية بوصفها دولة رأسمالية.

فالمذهب والعلم يدخلان في كل تلك المجالات ويدرسان الإنتاج

والتوزيع معًا، ولكن هذا يجب أن لا يؤدي بنا إلى عدم التمييز بينهما أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت