الصفحة 318 من 574

ولأجل هذا يكون من الخطأ أن يقدم الباحث الإسلامي مجموعة من

أحكام الإسلام_ التي هي في مستوى القانون المدني حسب مفهومه اليوم_

ويعرضها طبقًا للنصوص التشريعية والفقهية، بوصفها مذهبًا اقتصاديًا

إسلاميًا، كما يصنع بعض الكتّاب المسلمين، حين يحاولون دراسة المذهب

الاقتصادي في الإسلام، فيتحدثون عن مجموعة من تشريعات الإسلام التي

نظم بها الحقوق المالية والمعاملات، كالأحكام الشرعية بشأن البيع والإيجار

والشركة والغش والقمار وما إليها من تشريعات، فإن هؤلاء كمن يريد

أن يدرس ويحدد المذهب الاقتصادي للمجتمع في (انكلترة) مثلًا، فيقتصر في دراسة على القانون المدني لتلك البلاد وما يضمه من تشريعات، بدلًا

عن استعراض الرأسمالية ومبادئها الأساسية في حرية التملك والتصرف

والاستثمار، وما تعبر عنه هذه المباديء من مفاهيم وقيم.

ونحن حين نؤكد على ضرورة التمييز بين الكيان النظري للمذهب

الاقتصادي، وبين القانون المدني، لا نحاول بذلك قطع الصلة بينهما، بل

نؤكد في نفس الوقت على العلاقة المتينة التي تربط المذهب بالقانون،

بوصفهما جزئين من بناء نظري كامل للمجتمع. فليس المهم فقط أن

نرتفع إلى مستوى التمييز بين المذهب الاقتصادي والقانون المدني، بل

لا بد أن ندرك باستيعاب أيضًا الروابط التي تشد أحدهما إلى الآخر،

باعتبارهما مندمجين في مركب عضوي نظري واحد.

فالمذهب الاقتصادي بنظرياته وقواعده يشكل قاعدة لبناء فوقي من

القانون، ويعتبر عاملًا مهمًا في تحديد اتجاهه العام. وكون المذهب قاعدة

نظرية للقانون لا ينفي اعتبار المذهب بدوره بناءً علويًا لقاعدة يرتكز عليها،

فإن البناء النظري الكامل للمجتمع يقوم على أساس نظرة عامة، ويضم

طوابق متعددة يرتكز بعضها على بعض، ويعتبر كل طابق متقدم أساسًا

قاعدة للطابق العلوي المشاد عليه. فالمذهب والقانون طابقان من البناء

النظري، والقانون هو الطابق العلوي منهما الذي يتكيف وفقًا للمذهب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت