الصفحة 343 من 574

هذا هو الشكل الأول من عملية التجريد_ تجريد السلوك المعاش عن

ظروفه الواقعية_ وتمديده تاريخيًا إلى عصر التشريع.

وأما الشكل الآخر من عملية التجريد في دليل التقرير فهو ما يتفق

عندما ندرس سلوكًا معاصرًا لعهد التشريع حقًا، ونستكشف سماح الإسلام

به من سكوت الشريعة عنه. فان الممارس في هذه الحالة قد يقع في خطأ

التجريد، عندما يجرد ذلك السلوك المعاصر لعهد التشريع عن خصائصه،

ويعزله عن العوامل التي قد تكون دخيلة في السماح به، ويعمم القول:

بأن هذا السلوك جائز وصحيح إسلاميًا في كل حال. مع أن من الضروري

لكي يكون الاستدلال بدليل التقرير موضوعيًا: أن ندخل في حسابنا كل

حالة من المحتمل تأثيرها في موقف الإسلام من ذلك السلوك. فحين تتغير

بعض تلك الحالات والظروف يصبح الاستدلال بدليل التقرير عقيمًا،

فإذا قيل لك مثلًا: إن شرب الفقاع في الإسلام جائز، بدليل أن فلانًا_

حين مرض على عهد النبي صل الله عليه وآله_ شرب الفقاع، ولم ينه

النبي (ص) عن ذلك.. كان لك أن تقول: أن دليل التقرير هذا وحده

لا يكفي دليلًا على سماح الإسلام بشرب الفقاع لكل فرد، ولو كان

سليمًا، لأن من الممكن أن تكون بعض الأمراض مجوزة لشربه بصورة

استثنائية. فمن الخطأ إذن أن نعزل السلوك المعاصر لعهد التشريع عن

ظروفه وخصائصه، ونعمم حكم ذلك السلوك بدون مبرر لكل سلوك

مشابه، وإن اختلف في الخصائص التي قد يختلف الحكم بسببها. بل يجب

أن نأخذ بعين الاعتبار جميع الحالات الفردية والأوضاع الاجتماعية،

التي تكتنف السلوك المعاصر لعهد التشريع.

د_ اتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص:

ونقصد باتخاذ موقف معين تجاه النص: الاتجاه النفسي للباحث،

فإن للاتجاه أثره الكبير على عملية فهم النصوص. ولكي تتضح فكرة

الموقف، نفترض شخصين يمارسان دراسة النصوص، يتجه أحدهما نفسيًا

إلى اكتشاف الجانب الاجتماعي وما يتصل بالدولة من أحكام الإسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت