الصفحة 342 من 574

أن ينتج عن ذلك: التفكير في الاستدلال على جواز هذه الإجارة، وتملك

الرأسمالي للمادة المستخرجة.. بدليل التقرير، فيقال: إن سكوت الشريعة

عن هذه الإجارة وعدم نهيها عنها دليل على سماح الإسلام بها.

ولا نريد هنا أن نقول شيئًا عن هذا الإجارة ومقتضياتها من الناحية

الفقهية، ولا عن أقوال الفقهاء الذين يشكون فيها أو في مقتضياتها.. فإننا

سوف ندرس الحكم الشرعي لهذه الاجارة ومقتضياتها بكل تفصيل في

بحث مقبل، ونستعرض جميع الأدلة التي يمكن الاستناد إليها في الموضوع

إيجابيًا أو سلبيًا.. وإنما نريد هنا أن ندرس فقط الاستدلال على تلك الإجارة

ومقتضياتها بدليل التقرير، لنبرز شكلًا من تجريد السلوك عن شروطه

وظروفه. فإن هؤلاء الذين يستدلون بدليل التقرير على صحة تلك الإجارة

ومقتضياتها لم يعيشوا عصر التشريع، ليتأكدوا من تداول هذا النوع من الإجارة

في ذلك العصر، وإنما شهدوا تداولها في واقعهم المعاش، وأدى رسوخها في

النظام الاجتماعي السائد إلى الإيمان بأنها ظاهرة مطلقة، ممتدة تاريخيًا إلى

عصر التشريع. وهذا هو الذي نعنيه بتجريد السلوك من ظروفه وشروطه

دون مبرر موضوعي، وإلا فهل نملك دليلًا حقًا على أن هذا اللون من

الإجارة كان موجودًا وشائعًا في عصر التشريع الإسلامي؟! وهل يعلم

هؤلاء الذين يؤكدون على وجوده في ذلك العصر: أن هذا الإجارة هي

المظهر القانوني للإنتاج الرأسمالي، الذي لم يوجد تاريخيًا على نطاق واسع

_ خصوصًا في ميادين الصناعة_ إلا متأخرًا؟!

وليس معنى هذا الكلام: الجزم بنفي وجود الإنتاج الرأسمالي للمواد

المعدنية في عصر التشريع، أي العمل بأجرة في استخراجها، ولا تقديم

دليل على هذا النفي بل مجرد الشك في ذلك، وأنه كيف تتأصل ظاهرة معينة

وتبدو طبيعية حتى توحي باليقين بعمقها وقدمها، لمجرد أنها راسخة في

الواقع المعاش، مع عدم توفر أدلة منطقية كاملة على قدمها تاريخيًا،

وانفصالها عن ظروف مستجدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت