فهرس الكتاب
النهي ليس من حقه أن يستكشف سماح الإسلام بذلك السلوك، ما دام
من المحتمل أن تكون الشريعة قد نهت عنه.
وثالثًا: يجب أخذ جميع الصفات والشروط الموضوعية المتوفرة في
ذلك السلوك بعين الاعتبار، لأن من الممكن أن يكون لبعض تلك الصفات
والشروط أثر في السماح بذلك السلوك وعدم تحريمه. فإذا ضبطنًا جميع
الصفات والشروط، التي كانت تكتنف ذلك السلوك الذي عاصر التشريع،
أمكننا أن نستكشف من سكوت الشريعة عنه: سماحها بذلك السلوك
متى ما وجد ضمن تلك الصفات والشروط التي ضبطناها.
نستطيع الآن في ضوء هذا الشرح أن نفهم: كيف يتسرب العنصر
الذاتي إلى هذا الدليل، متمثلًا في تجريد السلوك من ظروفه وشروطه.
وعملية التجريد هذه تتخذ شكلين: ففي بعض الأحيان يجد الممارس
نفسه يعيش واقعًا عامرًا بسلوك اقتصادي معين، ويحس بوضوح هذا
السلوك وأصالته وعمقه، إلى درجة يتناسى العوامل التي ساعدت على
إيجاده، والظروف الموقتة التي مهدت له. فيخيل له أن هذا السلوك أصيل،
وممتد في التاريخ إلى عصر التشريع، بينما هو وليد عوامل وظروف معينة
حادثة، أو من الممكن أن يكون كذلك على أقل تقدير. ولنذكر لذلك
على سبيل المثال: الإنتاج الرأسمالي في الأعمال والصناعات الاستخراجية.
فإن الواقع اليوم يغص بهذا اللون من الإنتاج، الذي يتمثل في عمل أجزاء
يستخرجون المواد المعدنية من ملح أو نفط، ورأسمالي يدفع إليهم الأجور،
ويعتبر نفسه لأجل ذلك مالكًا للمادة المستخرجة. وعقد الإجارة_ هذا
الذي يقوم بين الرأسمالي والعمال_ يبدو الآن طبيعيًا في مضمونه ونتائجه
الآنفة الذكر_ أي تملك العامل للأجرة، وتملك الرأسمالي للمادة_ إلى
درجة قد تتيح للكثير أن يتصوروا هذا النوع من الاتفاق قديمًا، بقدم
اكتشاف الإنسان للمعادن واستفادته منها، ويؤمنون على أساس هذا التصور:
بأن هذا النوع من الاجارة كان موجودًا في عصر التشريع. ومن الطبيعي