الصفحة 340 من 574

ما يطلق عليه فقهيًا اسم: (التقرير) ونظرًا إلى أن هذا النوع من

الأدلة له أثر كبير على عملية الاجتهاد في الأحكام والمفاهيم، التي تتصل

بالمذهب الاقتصادي.. فمن الضروري أن نبرز الخطر الذي يتهدد هذا

الدليل نتيجة لتجريده عن ظروفه وشروطه.

ولنشرح أولًا معنى (التقرير) : إن التقرير مظهر من مظاهر السنة

الشريعة، ونعني به سكوت النبي (ص) أو الإمام عن عمل معين يقع

على مرأى منه ومسمع، سكوتًا يكشف عن سماحه به وجوازه في الإسلام.

والتقرير على قسمين: لأنه تارة: يكون تقريرًا لعمل معين، يقوم

به فرد خاص، كما إذا شرب أحد الفقاع أمام النبي (ص) ، فسكت عنه،

فإن هذا السكوت يكشف عن جواز شربه في الإسلام. وأخرى: يكون

تقريرًا لعمل عام، يتكرر صدوره من الناس في حياتهم الاعتيادية، كما

إذا عرفنا من عادة الناس في عهد التشريع الإسلامي قيام الإفراد باستخراج

الثروات المعدنية، وتملكها بسبب استخراجها، فإن سكوت الشريعة عن

هذه العادة وعدم معارضتها.. يعتبر تقريرًا منها ودليلًا على سماح الإسلام

للفرد باستخراج المادة الطبيعية وتملكها. هذا ما يطلق عليه في البحث

الفقهي اسم: العرف العام أو (السيرة العقلائية) . ومرده في الحقيقة إلى

اكتشاف موافقة الشريعة على سلوك عام معاصر لعهد التشريع، عن طريق

عدم ورود النهي عنه في الشريعة، إذ لو لم تكن الشريعة موافقة على ذلك

السلوك الذي عاصرته، لنهت عنه. فعدم النهي دليل الموافقة.

ويتوقف هذا الاستدلال من الناحية الفقهية على عدة أمور:

فأولًا: يجب التأكد من وجود ذلك السلوك تاريخيًا في عصر التشريع،

إذ لو كان السلوك متأخرًا زمنيًا عن عصر التشريع، لم يكن سكوت

الشريعة عنه دليلًا على رضاها به، وإنما يستكشف الرضا من السكوت،

إذا عاش السلوك عصر التشريع.

وثانيًا: يجب التأكد من عدم صدور النهي من الشريعة عن ذلك

السلوك ولا يكفي عدم العلم بصدوره، فما لم يجزم الباحث بعدم صدور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت