فهرس الكتاب
لا تتجاوز الفئة التي تتمتع بصفة قطعية من أحكام الشريعة، الخمسة في
المئة من مجموع الأحكام التي نجدها في الكتب الفقهية.
والسبب في ذلك واضح، لأن أحكام الشريعة تؤخذ من الكتاب
والسنة، أي من النص التشريعي، ونحن بطبيعة الحال نعتمد في صحة كل
نص على نقل أحد الرواة والمحدثين_ باستثناء النصوص القرآنية ومجموعة
قليلة من نصوص السنة التي ثبتت بالتواتر واليقين_ ومهما حاولنا أن ندقق
في الراوي ووثاقته وأمانته في النقل، فإننا لن نتأكد بشكل قاطع من صحة
النص ما دمنا لا نعرف مدى أمانة الرواة إلا تاريخيًا، لا بشكل مباشر، وما دام
الراوي الأمين قد يخطيء ويقدم إلينا النص محرّفًا، خصوصًا في الحالات
التي لا يصل إلينا النص فيها إلا بعد أن يطوف بعدة رواة، ينقله كل واحد
منهم إلى الآخر، حتى يصل إلينا في نهاية الشوط. وحتى لو تأكدنا أحيانًا
من صحة النص، وصدوره من النبي أو الإمام، فإننا لن نفهمه إلا كما
نعيشه الآن، ولن نستطيع استيعاب جوّه وشروطه، واستبطان بيئته التي
كان من الممكن أن تلقي عليه ضوءًا. ولدى عرض النص على سائر النصوص
التشريعية للتوفيق بينه وبينها، قد نخطيء أيضًا في طريقة التوفيق، فنقدم
هذا النص على ذاك، مع أن الآخر أصح في الواقع، بل قد يكون للنص
استثناء في نص آخر ولم يصل إلينا الاستثناء، أو لم نلتفت إليه خلال ممارستنا
للنصوص، فنأخذ بالنص الأول مغفلين استثناءه الذي يفسره ويخصصه.
فالاجتهاد إذن عملية معقدة، تواجه الشكوك من كل جانب ومهما
كانت نتيجته راجحة في رأي المجتهد، فهو لا يجزم بصحتها في الواقع،
ما دام يحتمل خطأه في استناجها، إما لعدم صحة النص في الواقع وإن بدأ
له صحيحا، أو لخطأ في فهمه، أو في طريقة التوفيق بينه وبين سائر
النصوص، أو لعدم استيعابه نصوصًا أخرى ذات دلالة في الموضوع ذهل
عنها الممارس أو عاثت بها القرون.
وهذا لا يعني بطبيعة الحال إلغاء عملية الاجتهاد أو عدم جوازها،