الصفحة 348 من 574

فإن الإسلام_ بالرغم من الشكوك التي تكتنف هذه العملية_ قد سمح بها،

وحدد للمجتهد المدى الذي يجوز له أن يعتمد فيه على الظن، ضمن قواعد

تشرح عادة في علم أصول الفقه، وليس على المجتهد إثم إذا اعتمد ظنه في

الحدود المسموح بها، سواء أخطأ أو أصاب.

وعلى هذا الضوء يصبح من المعقول ومن المحتمل: أن توجد لدى كل

مجتهد مجموعة من الأخطاء والمخالفات لواقع التشريع الإسلامي، وإن كان

معذورًا فيها ويصبح من المعقول أيضًا: أن يكون واقع التشريع الإسلامي

في مجموعة من المسائل التي يعالجها موزعًا هنا وهناك، بنسب متفاوتة في

آراء المجتهدين، فيكون هذا المجتهد على خطأ في مسألة وصواب في

أخرى، ويكون الآخر على العكس.

وأمام هذا الواقع الذي شرحناه عن عملية الاجتهاد والمجتهدين،

لا يملك الممارس لعملية اكتشاف المذهب الاقتصادي، إلا أن ينطلق في

اكتشافه من أحكام ثبتت باجتهاد ظني معين ليجتازها إلى ما هو أعمق

وأشمل، إلى نظريات الإسلام في الاقتصاد ومذهبه الاقتصادي.

ولكن علينا أن نتساءل: هل من الضروري أن يعكس لنا اجتهاد كل

واحد من المجتهدين_ بما يضم من أحكام_ مذهبًا اقتصاديًا كاملًا،

وأسسًا موحدة منسجمة مع بناء تلك الأحكام وطبيعتها؟.

ونجيب على هذا السؤال بالنفي، لأن الاجتهاد الذي يقوم على أساسه

استنتاج تلك الأحكام معرض للخطأ، وما دام كذلك فمن الجائز أن يضم

اجتهاد المجتهد عنصرًا تشريعيًا غريبًا على واقع الإسلام، قد أخطأ المجتهد

في استنتاجه، أو يفقد عنصرًا تشريعيًا إسلاميًا لم يوفق المجتهد للظفر به في

النصوص التي مارسها. وقد تصبح مجموعة الأحكام التي أدى إليها اجتهاده

متناقضة في أسسها بسبب هذا أو ذاك، ويتعذر عندئذ الوصول إلى رصيد

نظري كامل يوحد بينها، أو تفسير مذهبي شامل يضعها جميعًا في إطراد

واحد.

ولهذا يجب أن نفرق بين واقع التشريع الإسلامي كما جاء به النبي (ص) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت