الصفحة 36 من 574

وكذلك القول في حقلنا الجديد، فإن الإيمان بالحقيقة الموضوعية

للمجتمع، ولأحداث التاريخ، لا ينتج الأخذ بالمفهوم المادي، فهناك واقع

ثابت لأحداث التاريخ، وكل حدث في الحاضر أو الماضي قد وقع فعلًا

بشكل معين، خارج شعورنا بتلك الأحداث وهذا ما نتفق عليه جميعًا.

وليس هو من مزايا المادية التاريخية فحسب، بل يؤمن به كل من يفسر

أحداث التاريخ أو تطوراته، بالأفكار، أو بالعامل الطبيعي، أو الجنسي،

أو بأي شيء آخر من هذه الأسباب. كما تؤمن به الماركسية، التي تفسر

التاريخ بتطور القوى المنتجة. فالإيمان بالحقيقة الموضوعية، هو نقطة

الإنطلاق لكل تلك المفاهيم عن التاريخ، والبديهة الأولى التي تقوم تلك

التفسيرات المختلفة على أساسها.

وشيء آخر: أن أحداث التاريخ بصفتها جزءًا من مجموعة أحداث

الكون، تخضع للقوانين العامة، التي تسيطر على العالم. ومن تلك القوانين.

مبدأ العلية القائل: إن كل حدث، سواء أكان تاريخيًا أو طبيعيًا، أم أي

شيء آخر لا يمكن أن يوجد صدفة وارتجالًا، وإنما هو منبثق عن سبب.

فكل نتيجة مرتبطة بسببها، وكل حادث متصل بمقدماته وبدون تطبيق هذا

المبدأ_مبدأ العلية_على المجال التاريخي يكون البحث التاريخي غير ذي معنى.

فالإيمان بالحقيقة الموضوعية لأحداث التاريخ، والاعتقاد بأنها تسير

وفقًا لمبدأ العلمية، هما الفكرتان الأساسيتان لكل بحث علمي، في تفسير

التأريخ وإنما يدور النزاع بين التفاسير والاتجاهات المختلفة، في درس

التأريخ، حول العلل الأساسية، والقوى الرئيسية التي تعمل في المجتمع.

فهل هي القوى المنتجة؟، أو الأفكار؟، أو الدم؟ أو الأوضاع الطبيعية؟،

أو كل هذه الأسباب مجتمعة؟. والجواب على هذا السؤال_أيًا كان

اتجاهه_لا يخرج عن كونه تفسيرًا للتاريخ، قائمًا على أساس الإيمان بحقيقة

الإحداث التاريخية وتتابعها وفقًا لمبدأ العلية.

وفيما يلي سنتناول المادية التاريخية، بصفتها طريقة عامة في فهم التاريخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت