الصفحة 401 من 574

ولننظر الآن إلى ما يأذن به الإسلام لأفراد المجتمع_ الذي افترضناه_

من ألوان الاختصاص بالأرض. وفي هذا المجال يجب أن نستبعد الحيازة

والاستيلاء المجرد، بوصفه مبررًا أصيلًا لاختصاص الفرد بالأرض التي

يجوزها ويستولي عليها، لأنا لا نملك نصًا صحيحًا يؤكد ذلك في الشريعة،

كما ألمعنا سابقًا، وإنما الشيء الوحيد الذي عرفنا أنه يبرر الاختصاص

شرعًا: هو الإحياء، أي إنفاق الفرد جهدًا خاصًا على أرض ميتة، من

أجل بعث الحياة فيها.

فان ممارسة هذا العمل، أو العمليات التمهيدية له تعتبر في الشريعة

سببًا للاختصاص. ولكنه بالرغم من ذلك لا يكون سببًا لتملّك الفرد رقبة

الأرض ملكية خاصة تخرج بها عن مبدأها الأول، وإنما ينتج حقًا للفرد،

يصبح بموجبه أولى بالانتفاع بالأرض التي أحياها من غيره، بسبب الجهود

التي بذلها في الأرض. ويظل للإمام ملكية الرقبة، وحق فرض الضريبة على

المحيي، وفقًا للنص الفقهي الذي كتبه الشيخ الفقيه الكبير، محمد بن

الحسن الطوسي، حين قال في فصل الجهاد من كتاب المبسوط، (( فأما

الموات فإنها لا تغنم، وهي للإمام فان أحياها أحد كان أولى بالتصرف

فيها، ويكون للإمام طسقها )) . وقد مر بنا النص سابقًا.

ويستمر الحق الذي يمنح للفرد بالإحياء، ما دام عمله مجسدًا في الأرض،

فإذا استهلك عمله، واحتاجت الأرض إلى جهد جديد للحفاظ على

عمرانها، فلا يمكن للفرد أن يحتفظ بحقه، إلا بمواصلة أعمارها وتقديم

الجهود اللازمة لذلك، أما إذا أهملها وامتنع عن عمرانها، حتى خربت

سقط حقه فيها.

نستطيع الآن أن نستوعب الصورة كاملة، وأن نحدد النظرة العامة

فالأرض بطبيعتها ملك الإمام، ولا يملك الفرد رقبتها، ولا يصلح أي

اختصاص فردي بها، إلا على أساس ما ينفقه الشخص على الأرض من عمل

لأجل إعدادها واستثمارها. وهذا الاختصاص أو الحق الذي يكسبه الفرد

نتيجة لعمله فيها لا يمنع الإمام عن فرض الطسق أو الضريبة على الأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت