الصفحة 445 من 574

يشتغل فيه العامل، ونوع الثروة التي يمارسها، فالحيازة_ مثلًا_ وإن

كانت من الناحية الشكلية نوعًا واحدًا من العمل، ولكنها تختلف في حساب

النظرية العامة باختلاف نوع الثروة التي يسيطر عليها الفرد، لأن حيازة

الخشب بالاحتطاب، والحجر بنقله من الصحراء_ مثلًا_ عمل من

أعمال الانتفاع والاستثمار. وأما حيازة الأرض والاستيلاء على منجم أو

على عين ماء فليس من تلك الأعمال، بل هو مظهر من مظاهر القوة

والتحكم في الآخرين.

ولكي نبرهن على ذلك، يمكننا أن نفترض إنسانًا، يعيش بمفرده في

مساحة كبيرة من الأرض، غنية بالعيون والمناجم والثروات الطبيعية،

بعيدًا عن المنافسة والمزاحمة، وندرس سلوكه، وما يمارسه من ألوان

الحيازة.

إن إنسانًا كهذا لن يفكر في الاستيلاء على مساحة كبيرة من الأرض،

وما فيها من مناجم وعيون، وحمايتها، لأنه لا يجد داعيًا إلى هذا الحماية،

ولا فائدة يجنيها منها في حياته، مادامت الأرض بخدمته في كل حين،

لا ينافسه فيها أحد، وإنما ينصرف مباشرة إلى إحياء جزء من الأرض

يتناسب مع مستوى قدرته على الاستثمار.

ولكنه بالرغم من أنه لا يفكر في حيازة مساحات كبيرة من الأرض،

يمارس دائمًا حيازة الماء بنقله إلى كوزه، والحجر يحمله إلى كوخه، والخشب

يوقد عليه النار، لأنه لا يتاح له الانتفاع بهذه الأشياء في حياته إلا بحيازتها،

وإعدادها في متناول يده.

فحيازة الأرض وغيرها من مصادر الطبيعة لا معنى لها إذن عندما تنعدم

المنافسة، بل الإحياء وحده في هذا الحال هو العمل الذي يمارسه الفرد

في الطبيعة لاستثمارها والانتفاع بها. وإنما تكتسب حيازة الأرض قيمتها

عندما توجد المنافسة على الأرض، وتشتد، فينطلق كل فرد للاستيلاء على

أوسع مساحة ممكنة من الأرض وحمايتها من الآخرين. وهذا يعني أن

حيازة الأرض وما إليها من مصادر الطبيعة ليست عملًا ذا صفة اقتصادية

من أعمال الانتفاع والاستثمار وإنما هي عملية تحصين لمورد طبيعي وحمايته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت