الصفحة 444 من 574

في ضوء هذا البناء العلوي، وإشعاعه الخاص من القاعدة المذهبية نستطيع

أن ندرك معالم النظرية، وبالتالي أن نجيب على الأسئلة التي قدمناها سابقًا.

العمل الاقتصادي أساس الحقوق في النظرية:

فالنظرية تميز بين نوعين من الأعمال، أحدهما: الانتفاع والاستثمار،

والآخر: الاحتكار والاستئثار. فأعمال الانتفاع والاستثمار ذات صفة

اقتصادية بطبيعتها. وأعمال الاحتكار والاستئثار تقوم على أساس القوة

ولا تحقق انتفاعًا ولا استثمارًا مباشرًا.

ومصدر الحقوق الخاصة في النظرية، هو العمل الذي ينتمي إلى النوع

الأول، كاحتطاب الخشب من الغابة ونقل الأحجار من الصحراء، وإحياء

الأرض الميتة. وأما النوع الثاني من العمل فلا قيمة له لأنه مظهر من مظاهر

القوة وليس نشاطًا اقتصاديًا من نشاطات الانتفاع والاستثمار للطبيعة وثروتها.

والقوة لا تكون مصدرًا للحقوق الخاصة ولا مبررًا كافيًا لها. وعلى هذا

الأساس ألغت النظرية العامة العمل لحيازة الأرض والاستيلاء عليها ولم تقم

على أساسه أي حق من الحقوق الخاصة، لأنه في الحقيقة، من أعمال القوة،

لا من أعمال الانتفاع والاستثمار.

الحيازة ذات طابع مزدوج:

ونحن حين نقرر هذا، قد نواجه السؤال عن الفرق بين حيازة الأرض،

وحيازة الحجر بحمله من الصحراء، والخشب باحتطابه من الغابة، والماء

باغترافه من النهر، فإذا كانت الحيازة مظهر قوة وليست ذات صفة

اقتصادية كأعمال الانتفاع والاستثمار فكيف جاز للإسلام أن يفرق بين

حيازة الأرض وحيازة الخشب، ويمنح الأخيرة حقوقًا خاصة، بينما يلغي

الأولى ويجردها من كل الحقوق؟.

وجوابًا على هذا السؤال: أن التمييز بين أعمال الانتفاع والاستثمار

وأعمال الاحتكار والاستثمار، في النظرية الإسلامية، لا يقوم على أساس

شكل العمل. بل قد يتخذ الشكل الواحد للعمل طابع الانتفاع والاستثمار

تارة وطابع الاحتكار والاستئثار، تارة أخرى، تبعًا لطبيعة المجال الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت