الصفحة 7 من 574

الإسلامي يجب أن نأخذ هذه الحقيقة أساسًا ونفتش في ضوئها عن مركب

حضاري قادر على تحريك الأمة وتعبئة كل قواها وطاقاتها للمعركة ضد

التخلف ولابد حينئذ أن نُدخل في هذا الحساب مشاعر الأمة ونفسيتها

وتاريخها وتعقيداتها المختلفة.

ومن الخطأ ما يرتكبه كثير من الاقتصاديين الذين يدرسون اقتصاد

البلاد المتخلفة وينقلون إليها المناهج الأوروبية للتنمية دون أن يأخذوا بعين

الاعتبار درجة إمكان تفاعل شعوب تلك البلاد مع هذه المناهج ومدى قدرة

هذه المناهج المنقولة على الالتحام مع الأمة.

فهناك مثلًا الشعور النفسي الخاص الذي تعيشه الأمة في العالم الإسلامي

تجاه الاستعمار الذي يتسم بالشك والاتهام والخوف نتيجة لتاريخ مرير طويل

من الاستغلال والصراع، فإن هذا الشعور خلق نوعًا من الإنكماش لدى

الأمة عن المعطيات التنظيمية للإنسان الأوروبي وشيئًا من القلق تجاه الأنظمة

المستمدة من الأوضاع الاجتماعية في بلاد المستعمرين وحساسية شديدة ضدها

وهذه الحساسية تجعل تلك الأنظمة حتى لو كانت صالحة ومستقلة عن الاستعمار

من الناحية السياسية غير قادرة على تفجير طاقات الأمة وقيادتها في معركة

البناء فلا بد للأمة إذن بحكم ظروفها النفسية التي خلقها عصر الاستعمار

وانكماشها تجاه ما يتصل به أن تقيم نهضتها الحديثة على أساس نظام اجتماعي

ومعالم حضارية لا تمت إلى بلاد المستعمرين بنسب.

وهذه الحقيقة الواضحة هي التي جعلت عددًا من التكتلات السياسية في

العالم الإسلامي تفكر في اتخاذ القومية فلسفة وقاعدة للحضارة وأساسًا للتنظيم الاجتماعي حرصًا منهم على تقديم شعارات منفصلة عن الكيان الفكري

للاستعمار انفصالًا كاملًا غير أن القومية ليست إلا رابطة تاريخية ولغوية

وليست فلسفة ذات مبادىء ولا عقيدة ذات أسس بل حيادية بطبيعتها تجاه

تخلف الفلسفات والمذاهب الاجتماعية والعقائدية والدينية، وهي لذلك بحاجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت