الصفحة 9 من 574

بمجرد إعطائها هذا الإطار القومي أو ذاك لأن الواقع أن المضمون والجوهر

لا يختلف وإنما هذه الأطر تعبر عن استثناءات قد تختلف من شعب إلى آخر

تبعًا لنوعية التقاليد السائدة في تلك الشعوب.

وبالرغم من أن دعاة الاشتراكية العربية قد فشلوا في تقديم مضمون

حقيقي جديد لهذه الاشتراكية عن طريق تأطيرها بالإطار العربي فإنهم أكدوا

بموقفهم هذا تلك الحقيقة التي قلناها وهي أن الأمة بحكم حساسيتها الناتجة

عن عصر الاستعمار لا يمكن بناء نهضتها الحديثة إلا على أساس قاعدة أصيلة

لا ترتبط في ذهن الأمة ببلاد المستعمرين أنفسهم.

وهنا يبرز فارق كبير بين مناهج الاقتصاد الأوروبي التي ترتبط في

ذهن الأمة بإنسان القارة المستعمرة مهما وضعت لها من إطارات وبين المنهج

الإسلامي الذي يرتبط في ذهن الأمة بتاريخها وأمجادها الذاتية ويعبر عن

أصالتها ولا يحمل أي طابع لبلاد المستعمرين فان شعور الأمة بأن الإسلام

هو تعبيرها الذاتي وعنوان شخصيتها التاريخية ومفتاح أمجادها السابقة يعتبر

عاملًا ضخمًا جدًا لإنجاح المعركة ضد التخلف وفي سبيل التنمية إذا استمد

لها المنهج من الإسلام واتخذ من النظام الإسلامي إطارًا للانطلاق.

وإلى جانب الشعور المعقد للأمة في العالم الإسلامي تجاه الاستعمار وكل

المناهج المرتبطة ببلاد المستعمرين يوجد هناك تعقيد آخر يشكّل صعوبة كبيرة

أيضًا في طريق نجاح المناهج الحديثة للاقتصاد الأوروبي إذا طبقت في العالم

الإسلامي وهو التناقض بين هذه المناهج والعقيدة الدينية التي يعيشها المسلمون.

وهنا لا أريد أن أتحدث عن هذا التناقض لكي أقارن بين وجهة النظر الدينية

ووجهة النظر التي تتبناها تلك المناهج وأحاول أن أفضّل الأولى على الثانية

_ أي أني لا أريد أن أبحث هذا التناقض بحثًا عقائديًا مذهبيًا _ وإنما أحاول

إبراز هذا التناقض بين مناهج الإنسان الأوروبي والعقيدة الدينية للإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت