وقال البعض: المراد أن من لم يحج مع الاستطاعة فقد كفر، وحملوا الآية على ظاهرها [1] .
تحرير المسألة:
الذي يظهر - مما تقدم - أن المراد بقوله تعالى: { ومن كفر } أي: ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه ، كما هو ظاهر السياق القرآني ، فإن قوله تعالى قبله: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } (( هو فرض الحج في كتاب الله بإجماع العلماء ) ) [2] ، فمن ( كفر ) أي جحد هذه الفريضة فإن الله غني عنه، ويدل لهذا أيضًا ما روي عن عكرمة ومجاهد في سبب النزول، كما تقدم ، وهذا القول هو اختيار أكثر المفسرين.
وأما القول بأن المراد به من لم يحج على سبيل التغليظ البالغ في الزجر عن ترك الحج مع الاستطاعة، فليس ببعيد ، والمعنى يحتمله.
أما من حمل الآية على ظاهرها ، وقال: إن المراد أن من لم يحج وهو قادر فقد كفر فلا يظهر قوله ، وما اُستدل به على هذا القول هو حديث في سنده مقال ، ضعّفه غير واحد من أهل العلم -كما تقدم- والله تعالى أعلم.
5-المراد بالقرح في قوله تعالى: { إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ o }
قال تعالى: { إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ } [آل عمران:140]
اختلف في المراد بالقرح الذي مس القوم المشركين على قولين:
1-أنه ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر.
2-أنه هزيمة المشركين أولًا يوم أُحد.
ترجيح الشنقيطي - يرحمه الله -:
[ قوله تعالى: { إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ } [آل عمران:140]
(1) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/447، ومعالم التنزيل للبغوي 1/330، والمحرر الوجيز لابن عطية 1/480، والبحر المحيط لأبي حيان 3/277، وروح المعاني للألوسي 4/13، ومحاسن التأويل للقاسمي 4/164، وغيرهم.
(2) المحرر الوجيز لابن عطية 1/477.