الذي يظهر رجحانه - مما تقدم - أن المراد بالاستمتاع في الآية: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } هو الاستمتاع في النكاح بالمهور، وعليه فالآية في عقد النكاح لا في نكاح المتعة، كما عليه جمهور المفسرين ، واختاره الشنقيطي - يرحمه الله - ويدل عليه ظاهر السياق القرآني، فإن الله تعالى ذكر المحرمات التي لا يجوز نكاحها بقوله: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } [النساء: 23] ، ثم بين أن غير تلك المحرمات حلال بالنكاح بقوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } [النساء: 24] ، ثم بين أن من نكحتم منهن ، واستمتعتم بها يلزمكم أن تعطوها مهرها، مرتبًا لذلك بالفاء على النكاح بقوله: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } [النساء: 24] الآية .
قال الزجاج: (( هذه آية قد غلط فيها قوم غلطًا عظيمًا لجهلهم باللغة ؛ وذلك أنهم ذهبوا إلى أن قوله: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } من المتعة التي قد أجمع أهل الفقه أنها حرام، وإنما معنى قوله: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } ، أي فما نكحتموه على الشريطة التي جاءت في الآية، آية الإحصان: { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ } ، أي: عاقدين التزويج الذي جرى ذكره ) ) [1] . وأما القول بأن الآية في نكاح المتعة فلا يظهر، وهو بعيد عن ظاهر الآية ، قال ابن عاشور: (( ونحن نرى أن هذه الآية بمعزلٍ عن أن تكون نازلة في نكاح المتعة، وليس سياقها سامحًا بذلك ، ولكنها صالحة لاندراج المتعة في عموم( ما استمتعتم) )) [2] .
وقد أجاب الشنقيطي -يرحمه الله- عن حجة من قال بهذا القول -كما تقدم [3] - والعلم عند الله تعالى.
(1) معاني القرآن وإعرابه 2/38 .
(2) التحرير والتنوير 5/11 .
(3) تقدم ذكرها في ترجيح الشنقيطي .