الذي يظهر -مما تقدم- أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره
واجتناب نواهيه بالإخلاص له في العبادة وفق ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ما عليه جمهور المفسرين .
وتفسير ابن عباس لها بمعنى الحاجة يدخل في هذا ؛ لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ، كما علل ذلك الشنقيطي يرحمه الله .
وأما كونها بمعنى المنزلة التي في الجنة فلا يظهر ، وقد ضعّف هذا القول بعض المفسرين كالألوسي [1] ، ولا مانع من الجمع بين القولين - قول الجمهور وهذا القول - قال ابن عطية:
(( الوسيلة القربة وسبب النجاح في المراد ..، وأما الوسيلة المطلوبة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فهي أيضًا من هذا ؛ لأن الدعاء له بالوسيلة والفضيلة إنما هو أن يؤتاهما في الدنيا ، ويتصف بهما، ويكون ثمرة ذلك في الآخرة التشفيع في المقام المحمود ) ) [2] ، والله تعالى أعلم .
8-إطلاق الوصف بالكفر والظلم والفسق في قوله تعالى: { فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } ، وقوله: { الظَّالِمُونَ } ، وقوله: { الْفَاسِقُونَ } ما المراد به؟
قال تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [المائدة:44] وقال تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [المائدة:45] ، وقال سبحانه: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [المائدة:47] .
(1) قال الألوسي: ( كونها بهذا المعنى غير ظاهر لاختصاصها بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بناء على ما رواه مسلم وغيره:(( إنها منزلة في الجنة جعلها الله تعالى لعبد من عباده ، وأرجو أن أكون أنا ، فاسألوا لي الوسيلة ) )) روح المعاني 6/124 .
(2) ينظر: المحرر الوجيز 2/186 وما بعدها .