قال بعض العلماء: والقرآن العظيم يدل على أنها في اليهود ؛ لأنه تعالى ذكر فيما قبلها أنهم: { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } ، وأنهم يقولون: { إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا } ، يعني الحكم المحرف الذي هو غير حكم الله { فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ } أي المحرف ، بل أوتيتم حكم الله الحق { فَاحْذَرُوا } ، فهم يأمرون بالحذر من حكم الله الذي يعلمون أنه حق.
وقد قال تعالى بعدها: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } [المائدة:45] ، فدل على أن الكلام فيهم .
... وقال القرطبي في تفسيره: (( { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } ، و { الظَّالِمُونَ } ، و { الْفَاسِقُونَ } [ المائدة: 44 - 47 ] نزلت كلها في الكفار ، وثبت ذلك في صحيح مسلم [1]
(1) أخرج مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب - رضي الله عنه- قال: مُرَّ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بيهودي محممًا مجلودًا ، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قالوا: نعم ، فدعا رجلًا من علمائهم فقال: (( أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قال: لا- ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك - نجده الرجم ، ولكنه كَثُر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا = = الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) )، فأمر به فرجم ، فأنزل الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ } إلى قوله: { إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ } ..الخ الحديث ، كتاب الحدود ، باب (رجم اليهود ، أهل الذمة ، في الزنا ) رقم (4440) ص979 .
والتحميم: هو طلي الوجه بالفحم ، ينظر: لسان العرب لابن منظور 2/1010 (حمم) ، والقاموس المحيط للفيروزآبادى ص990 (ح م م) .