ويدل عليه ترتيب قوله تعالى: { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي } إلى آخره بالفاء على قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } [الأنعام:75] ، فدل على أنه قال ذلك موقنًا مناظرًا ومحاجًا لهم، كما دل عليه قوله: { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } [الأنعام:80] ، وقوله: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ } [الأنعام:83] كما ذكر ذلك الشنقيطي - يرحمه الله-.
والقول بأنه على حذف أداة الاستفهام الإنكاري أي: أهذا ربي؟ ليس ببعيد ، والمعنى يحتمله ؛ إذ المقام مقام إنكار، وهو لم يقل ذلك إلا جازمًا بعدم ربوبية غير الله تعالى.
وأما قول ابن عباس وغيره أنه كان يظن ذلك ، وكان هذا منه زمن قصر النظر في الطفولة، فلا يظهر، وقد ضعّف هذا القول بعض المفسرين كابن عطية [1] ، وأبي حيان [2] .
قال الطبري: (( وأنكر قوم من غير أهل الرواية هذا القول الذي روي عن ابن عباس وعمن روى عنه.. وقالوا: غير جائز أن يكون لله نبي ابتعثه بالرسالة ، أتى عليه وقتٌ من الأوقات وهو بالغ ، إلا وهو لله موحد وبه عارف ، ومن كل ما يعبد من دونه بريء، قالوا: ولو جاز أن يكون قد أتى عليه بعض الأوقات وهو به كافر لم يجز أن يختصه بالرسالة.. ) ) [3] .
ولأن الله تعالى نفى كون الشرك ماضيًا عن إبراهيم في قوله: { وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل:123] في عدة آيات، ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فبَعُد أن يكون قد تقدم عليه شرك يومًا ما .. والله تعالى أعلم.
4-المراد بالحجة التي أوتيها إبراهيم -عليه السلام- في قوله تعالى: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ } [الأنعام:83]
(1) المحرر الوجيز 2/313.
(2) البحر المحيط 4/565.
(3) ينظر: جامع البيان 11/483.