يعبدون البقر. إذا فليس الكفر الذي ذكرت الآية بعض صوره هو السبب في الأمر بالقتال، وإلا لما عقد النبي صلحًا من قبل مع يهود أو نصارى أو وثنيين، ولما وقف منهم إلا موقف القتال؛ لأن ظاهر الآية تقضى به.
بل إن في هذه الآية نفسها دليلًا أقوى ما يكون الدليل على ذلك. إذ جعلت الآية قبول دفع الجزية منهيًا للقتال المأمور به في صدرها. والجزية - هنا - ليس معناها بذل مقدار من المال، بل معناها مع هذا حصول اتفاق بينهم وبين المقاتلين يلتزمون فيه بالكف عن جرائهم ضد الإسلام والمسلمين. {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ولو كان القتال قد وجب بسبب كفرهم لوجب استمراره حتى يسلموا أو يبيدوا عن آخرهم. ولم يقل بذلك أحد، ولا هو معنى من معاني الآية الكريمة؛ لاشتمالها على القيد المنهي للقتال.
* الخلاصة: ليس في هذه الآية دليل قط على وجوب قتال غير المسلمين بسبب الكفر المجرد، كما ذهب الفريق القائل بأن العلاقة بين المسلمين وغيرهم: علاقة حرب لا علاقة سلام.
* الدليل الثالث: أما الدليل الثالث فكان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ....}
هذه الآية من العام الذي أريد به الخاص، لأن ظاهر معناها أن يقاتل المسلمون في كل زمان ومكان من يجاورهم من الكافرين في كل زمان ومكان. وليس هذا هو المراد كما ذهب عامة المفسرين. والصواب أن في تلآية توجيهًا للمسلمين في عصر النزول بعد أن تقرر قتال أعداء الإسلام من الفرس والروم وغيرهم. والفرس كانوا بالعراق، والروم كانوا بالشام في ذلك الوقت. فأمر الله المسلمين أن يبدأوا بقتال الروم لأنهم أكثر دنّوًا للمدينة من الفُرس. ويرى بعض