الحرص الذي أبداه صاحب الدعوة لم يكن مقصورًا على عشيرته وقومه، بل كان رحمة عامة يشعر بها أمام جميع الناس، حتى اليهود والمنافقين. صحيح أن هذا الحرص قد بدأ مبكرًا من قبل الهجرة حيث لم يكن بمكة يهود ولا منافقون. لكن القرآن دلَّنا على أن حرصه تجاوز قومه وعشيرته الأذنين إلى آفاق عامة شملت المنافقين واليهود معًا، فكان يحزن على إعراضهم كما حزن على إعراض قومه من قبل. وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
فالذين قالوا آمنا بأفواهم ولم يؤمن قلوبهم هم المنافقون، والذين هادوا هم اليهود، نهاه الله أن يحزن على كفرهم وكرر له القول بأن الأمور بيد الله، ولو كان الله قد علم فيهم خيرًا لهَداهم، ومنَ يُرد الله فتنته - لأمر هو به عليم - فليس في مقدرة أحد أن يملك لهم منها مخرجًا. والذين حزن عليهم - صلى الله عليه وسلم - قد سبق في علم الله أنهم لن يختاروا إلا الكفر والصلال، وأن الله كتب عليهم الخزى في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة.
وفي هذا البيان تسرية عن نفس النبي، وتفريج لهمه، وتثبيت لفؤاده وقرة لعينه - صلى الله عليه وسلم -.
* خلاصات موجزة:
نستخلص مما تقدم بكل وضوح وقوة ما يأتي:
أولًا: أن حرية الاعتقاد في الإسلام مكفولة وحيًا وشريعة.