بالطعام، وفيها ذكرى وهداية لكل عبد أراد الخير لنفسه يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
ثم ساس القلوب سياسة حكيمة ووضع أمامها صور الماء المبارك النازل - بقدرة المنعم - من السكما، فسرعان ما تتلقاه الأرض فتنمو الحدائق والكروم بما لذَّ وطاب للعين والفم، وكذلك حب الحصيد الذي هو مصدر قوتهم، وترى النخل باسقًا، أصله ثابت وفرعه في السماء، تجود بأينع الرطب والثمار المختلف لونًا وطعمًا وحجمًا، أرزاق طيبة من الله بها على العباد يروحون ويغذون فيها، وإذا نزل الماء على الأرض الموات أحياها فصارت كالعروس ترفل في ألوان الزينات.
وهنا يعمد القرآن، وقد انجلى صدأ النفوس، وتفتحت القلوب، ورقت المشاعر، يعمد القرآن إلى توظيف هذا المشهد الذي يتكرر كثيرًا، وهو إحياء الأرض الموات، وجعله دليلًا على إمكانية البعث عقلًا فيقول: {كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} اي كما نحيي الأرض الموات بإنزال الماء فتصبح الأرض مخضرة، نخرج الموتى من قبورهم أحياء كما كانوا قبل أن يموتوا فإذا كان منكرو البعث لا ينكرون هذه المشاهد المتكررة فكيف ساغ لهم أن ينكروا البعث، والإحياءان سواء في قدرة الله؟
ثم ... أكُلُّ هذه الدلائل والعبر غابت عنهم وهم يشاهدونها في كل لحظة تمر بهم؟ إن إنكار البعث لم يكن سببه قصورًا من الدعوة في إثبات وقوعه عقلًا، فقد هيهأت الدعوة - بالوسائل السلمية - الطريق واضحة إلى كل ما طُلب منهم الإيمان به، وليس البعث وحده، فضلال منكري البعث ضلال عن علم وهُدىّ بعد أن بين الله لهم الحق من الباطل. استحوذ عليهم الشيطان وزيَّن لهم سوء اعتقادهم وعملهم، فصدُّوا عن السبيل وهم مستبصرون.