أما الأثر النبوي الشريف في دار الحديث: فقد كانت أسرة ابن أبي الحديد في دمشق، وهي أسرة مشهورة كان فيها علماء وخطباء، تتوارث الفردة اليسرى من نعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مما كان عند السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله عنها، فتوارثها ورثتها من بعدها إلى أن حصلت بيد بني أبي الحديد، وآلت آخرا إلى نظام الدين أبي العباس أحمد بن عثمان بن أبي الحديد التاجر، وكان الملك الأشرف يقربه لأجل أن يشري النعل منه، فلم يرض بذلك، وكان نظام الدين يسافر به إلى الملوك فيكرمونه له، فقال له الملك الأشرف: أشتهي أن تعطيني من هذا الأثر الشريف بقدر الحمصة لأجعله في كفني إذا مت، فأجابه نظام الدين إلى ذلك وأعطاه الأشرف ثلاثين ألف درهم، فلما كان موعد استيفاء تلك القطعة انثنى عزم الأشرف عن ذلك، وترك المال لنظام الدين وقال: فكرت في أنني متى أخذت من هذا الأثر الشريف هذا القدر تشبه بي الملوك، فيقضي الحال إلى عدم هذا الأثر الشريف من الوجود، وأكون أنا السبب، فتركته لله تعالى ...
ثم إن نظام الدين سافر بالأثر الشريف إلى بلاد الشرق فأدركه أجله فيها ... فحمله الوفاء أن أوصى بالأثر الشريف للأشرف، فصيره الله تعالى إليه بحسن نيته، وبنى لأجله دار الحديث، وجعله فيها في صندوق يليق به عن يسار محراب دار الحديث يفتح للناس يتبركون به عصر يوم الاثنين ويوم الخميس وعن ذلك الأثر الشريف انتشر مثال النعل الشريف، وصنفت في ذلك التصانيف.
قال محمد بن جابر الوادي آشي لما زار دمشق سنة 722:
دار الحديث الأشرفيةُ ليَ الشفا ... فيها رأت عيناي نعل المصطفى
ولثمته حتى قنعت وقلت: يا ... نفس انعمي أكفاك؟ قالت لي: كفى
لله أوقات وصلت بها المنى ... من بعد طيبة ما أجل وأشرفا
لك يا دمشق على البلاد فضيلة ... أيامك الأعياد لازمها الصافا
ولم يزل الأثر الشريف بدار الحديث إلى أن سرقه تيمورلنك غصبا سنة 803، ولم يعلم مصيره بعد ذلك.
إلا أن سرًا لطيفًا يشير إلى أن أئمة وعلماء دار الحديث الأشرفية كانوا متبعين لأثره صلى الله عليه وسلم من ربهم، وهذه كتبهم وتراجمهم تشهد بذلك والله أعلم.