ثم إن الحزب الحاكم حتى يمثل الشعب حقيقة يجب أن يضم القسم الأكبر من البالغين من أبناء الشعب الذي يمثله، وهذا لم ينطبق على أي حزب في العالم، فالأحزاب الشيوعية مثلًا، في البلاد التي حكمت فيها ،لم تكن تضم إلا جزءًا صغيرًا من شعوبها وحكمت البلاد الشيوعية بالحديد والنار . وباسم الشعب! ألغت وحاربت كل ما عداها من الأفكار والتوجهات ، مع أن نسبتها إلى السكان لم تكن تتجاوز 3-5% بحسب ما كان ينشر من إحصاءات، وما يدل على صدق ذلك هو انهيار هذه الأحزاب بهذه السرعة وبجرة قلم من جوربا تشوف وأعوانه!! أما في بلادنا فالمنتمون إلى الأحزاب المختلفة لا يتعدون العشرات وليس المئات فقط!! حتى إن البعض وصفها بكونها رؤوسًا بلا أجسام، ولكن ما أن يصل الحزب بطريقة أو بأخرى إلى السلطة حتى يفرض نفسه على كل من عداه ويصبح الممثل الوحيد للشعب!! وهذا ينطبق على الدول التي فيها انتخابات تدعي الديمقراطية تمامًا كما ينطبق على غيرها.
هذا غير أن الحزب الذي يدعى أنه يمثل الشعب حقيقة يجب أن يتبنى قيم ذلك الشعب وطموحاته وآماله ، وهذا أيضًا لم يحدث في العالم أجمع ؛ إذ أن الأحزاب في كل البلاد فصلت لنفسها ثوبًا يناسبها ويحقق مطامحها ومطامعها وحشرت الشعب فيه بالقوة، فهذه الأحزاب الليبرالية التي نراها اليوم هي أبناء وأحفاد الحركات الثورية التي على رأسها الثورة الفرنسية التي قامت على أكتاف قلة من الفرنسيين استدعت مصالحها الخاصة القضاء على كل من كان في سبيل تحقيق هذه المصالح من الطبقة الحاكمة والإقطاع ورجال الكنيسة، وارتكبت الفئة الأولى من المجازر ما يخجل منه الفرنسيون حتى اليوم ، وفرضوا بواسطة تلك المجازر التي استمرت لسنوات طويلة: أفكارهم ونظام حكمهم وكل ما يحقق مصالحهم على الأكثرية التي بعد أن أنهكتها المقاومة صمتت فاعتبر صمتها تأييدًا للفئة صاحبة الثورة وصاحبة المصالح من الثورة .
وهكذا حتى اليوم، فكل حزب أو فئة حاكمة تعتبر الأكثرية الصامتة معها وتؤيدها بهذا الصمت ، ولم يخطر ببالها أن هذا الصمت قد يكون يأسًا ورفضًا أبلغ من الكلام، وما حدث في أوروبا الليبرالية حدث في أمريكا وحدث أيضًا في المجموعة الاشتراكية والصين وكل مكان فرضت فيه الدساتير على الشعوب والأفكار والأحزاب أيضًا وباسم الشعب!!!