وفي عدم جواز طلب الولاية حكمة كبيرة لعدة أسباب منها: أن يكون لطالبها أغراض خاصة يريد تحقيقها كالجاه والعلو في الأرض، أو استغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية، إلى آخر ذلك من الأغراض الدنيوية التي تتمثل فيها الأنانية الإنسانية المنبثقة من شهواته الدنيوية ، وفي هذه الحالة يجب أن يحال بينه وبين الولاية التي توصله إلى أغراضه الأنانية هذه لما فيها من ضرر عام .فالولاية والمنصب أيًا كان في الإسلام ليس ترفًا، ولا مرتبة للتباهي ولا شركًا لاستغلال الآخرين، كما أنه ليس سيفًا مسلطًا على رقاب الناس، بل هو عكس ذلك، فهو مسؤولية، المسؤول فيها مغبون وخاسر غير رابح... لأنها تعب وشقاء في الدنيا وحساب عسير في الآخرة (1) ولذلك قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مؤكدًا المسؤولية الجسيمة التي تقع على عاتق أولي الأمر:"ويل للأمراء وويل للعرفاء وويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن نواصيهم معلقة بالثريا يتخلخلون بين السماء والأرض" (2) ، وقال أيضًا:"من عمد على عشرة أتى يوم القيامة مغلولًا لا يفكه من غله إلا العدل" (3) . ولذلك أيضًا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ولايته: (فوالذي نفسي بيده لو وددت أني خرجت منها كما دخلت فيه لا أجر ولا وزر) (4) وقال عندما أصيب وطلب منه الصحابة أن يستخلف: (أتحمل أمركم حيًا وميتا، لوددت أن أحظى منها الكفاف لا علي ولا لي) (5) .
وهذا قليل من كثير مما يدل على أن المنصب العام أمانة ومسؤولية جسيمة فلا يطلبه أحد لنفسه إلا إن كان له غرض فيه، وحتى عندما يكلف به يرفض البعض هذا التكليف ، وقد قال الطرطوشي: (لولا أن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه لم يرض عاقل بها ولم يعدها لبيب مرتبة) (6) . فسيد القوم في نظره (أشقاهم) (7) .
(1) …ابن الأزرق: بدائع السلك في طبائع الملك ج 1 ص 82.
(2) …البهيقي: السنن الكبرى ص 97 ج 1 .
(3) …ابن الجوزي: المصباح المضيء ص 312 - 313.
(4) …البيهقي السنن الكبرى ص 97 ج 1.
(5) …النيسابوري: الجامع الصحيح ج 6 ص 4.
(6) …ابن الأزرق: ذات المصدر.
(7) …الطرطوشي: سراج الملوك ص 86.