الصفحة 84 من 102

ولنعد إلى بدايات هذه النظرية التي تشكّلت في الغرب النصراني، الذي كان يدين بعقيدة محرَّفة وشريعة مبدّلة، حيث كانت ملوكهم تحكم فتظلم وتستبد بناءً على أنهم أصحاب السيادة بمقتضى التفويض الإلهي لهم في ذلك، وقد ساعد الملوك على ذلك نظرية التفويض الإلهي التي اخترعت لتبرير سلطانهم المطلق، والتي تقول: إن الملوك يستمدون سلطانهم من تفويض الله لهم سواءً كان تفويضًا مباشرًا أو غير مباشر.

وفي ظل هذا الجو المملوء بظلم الملوك وطغيانهم، لم تكن الكنيسة -الممثلة للدين عند النصارى- بما حدث فيها من فساد وإفساد وانحراف وتحريف، بقادرة على إيجاد مخرج صحيح للناس أو حتى تقليل ظلم الملوك وطغيانهم والحد من سلطانهم؛ لأنها كانت هي ركنًا من أركان الظلم والطغيان.

ومن ثمَّ بدأ الناقمون على هذه الأحوال يفكرون -بعيدًا عن الدين وعمن يمثلون الدين عندهم- في طريقة يسلبون بها كل سلطان الملوك، ولم تكن طريقتهم في هذا إلا استبدال كفر بكفر ؛ حيث قالوا: إن السيادة لا تكون لشخص الملك، وإنما تكون السيادة للشعب كله، فالملوك والناقمون عليهم كلاهما يقول بنظرية السيادة.

أما الملوك فيجعلونها لأنفسهم، والأساس الذي بنوا عليه ذلك القول هو نظرية التفويض الإلهي.

وأما الناقمون فيجعلون السيادة للشعب، وقد كان الأساس الذي بنوا عليه ذلك القول هو:

نظرية العقد الاجتماعي:

فماذا تعني نظرية العقد الاجتماعي ؟

اشتهر من المتكلمين بهذه النظرية ثلاثة أسماء: توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو. ومن غير تعرُّض لتفصيلات واختلاف وجهات نظرهم في بعض جوانب هذه النظرية، فإن جوهر النظرية يقوم على تصور أن الناس في أول أمرهم كانوا يعيشون حياتهم الفطرية البدائية، وكانت حياة غير منظمة، فلم يكن لهم تشريع يحكمهم ولا دولة أو مؤسسة تنظم معاملاتهم وترعى شؤونهم، وأن الناس في طور لاحق من حياتهم احتاجوا إلى التشريع الحاكم، والدولة التي تنظم أمور حياتهم، وأنهم لأجل ذلك عقدوا فيما بينهم عقدًا لإقامة السلطة التي تحكمهم وتنظم شؤونهم ومعاملاتهم، وتحفظ عليهم ما بقي من حقوقهم وحرياتهم، والسلطة حسب هذا التصور قامت بناءً على الإرادة الشعبية، لذلك كان الشعب هو صاحب السيادة. هذا هو جوهر نظرية العقد الاجتماعي، فماذا يعني ذلك ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت