يعني ذلك أن هذه النظرية تنطلق من تصور كفري إلحادي، لأن هذه النظرية إما أنها تصورت الناس وكأنهم وُجدوا من غير خالق لهم، وأنهم وُجدوا هكذا غير منظمين بغير شريعة هادية أو قانون حاكم.
وإما أنها تعترف بوجود خالق، لكن الخالق -في هذه النظرية- لا فعل له إلا مجرد الخَلْق، أما أن يرسل من عنده رسلًا إلى الناس تعلمهم وترشدهم وتهديهم وتأمرهم بالخير وتنهاهم عن الشر، وتنظم شئونهم ومعاملاتهم، فهذا ما لا وجود له في هذه النظرية.
ولو كان ذلك موجودًا فيها ما احتاجوا إلى هذا العقد الذي عقدوه.
ومن المعلوم المقطوع به أن نظرية العقد الاجتماعي تناقض القرآن الكريم مناقضة تامة، فالقرآن يخبرنا أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام أول الناس، ثم أهبطه هو وزوجه إلى الأرض، وأنزل إليه الشريعة التي أمره أن يعمل بها هو وأولاده، وأن الله عز وجل لم يزل يرسل رسله ويُنَزِّل كتبه لهداية الناس وإرشادهم وتنظيم شئونهم ومعاملاتهم، قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [النحل آية 36] وقال تعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) [فاطر آية 24] وقال تعالى عن النار: (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالو بلى قد جاءنا نذير فكذبنا) [الملك آية9] وغير ذلك من الآيات في هذا المعنى، فأين إذن هذه الحياة الفطرية البدائية التي لم يكن فيها تشريع حاكم؟! كما تقول هذه النظرية ) .
( إن النظام الديمقراطي قد أقرَّ -قانونيًا على الأقل- بعدد غير قليل من الحقوق والحريات، وذلك مثل حرية الرأي، وحرية الاعتقاد، والحرية الشخصية، وحق الملكية، وحق العمل والسكن والانتقال والتعليم، إلى غير ذلك من الحقوق والحريات، وهو بمثل هذا الإقرار يكون مخالفًا للنظم الاستبدادية التي لا تقر بشيء مثل ذلك، وبمثل هذا الإقرار أيضًا لمع بريق الديمقراطية الزائف في أعين كثير ممن لا يملكون المعرفة الصحيحة بالنظام الإسلامي، وذلك لسببين:
وجود الأنظمة الحاكمة الظالمة الطاغية والمستبدة في كثير من بلاد المسلمين، التي لا ترعى حقًا ولا توفر أمنًا، والتي لا تتورع عن البطش والتنكيل الشديد بكل من تتوهم أن له رأيًا مخالفًا لها، أو بكل من تُسوِّل له نفسه المطالبة بحقوقه المشروعة التي كفلها له النظام الإسلامي.
عدم المعرفة الجيدة والإدراك الواعي للآثار أو النتائج المترتبة على الحقوق والحريات في النظام الديمقراطي.