قال الله تعالى: لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم أفلا تعقلون - وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قومًا آخرين - فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون - لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون - قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين - فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم
حصيدًا خامدين - وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين - لو أردنا أن نتخذ لهوًا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين - بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون - وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون - يسبحون الليل والنهار لا يفترون - [1] .
التفسير:
لقد أنزلنا إليكم هذا الكتاب (القرآن) فيه عزكم وشرفكم وما تحتاجون في أمر دينكم وفوزكم ونجاتكم في الدنيا والآخرة، فلماذا لا تعقلون هذه النعمة وتتعلمون هذا الكتاب وتفهمونه وتتدبرونه؟. وكثير من القرى أهلكناها لأنها كانت ظالمة بالكفر والشرك، وأنشأنا بعدها قومًا غيرهم. فلما تيقن الكفار عذابنا أنه واقع بهم لا محالة إذا هم يفرون هاربين من قريتهم ومنازلهم. فقيل لهم تهكمًا بهم: لا تهربوا من نزول العذاب فلا مفر منه، وعودوا إلى ما كنتم فيه من الترف ومساكنكم المشيدة والمزينة، لعلكم تسألون عما كنتم فيه من أداء شكر النعم التي أنعم بها عليكم فلم ترعوها ولم تقوموا بحقها. قالوا معترفين بذنوبهم: يا هلاكنا ويا خيبتنا إنا كنا ظالمين أنفسنا بالكفر والمعاصي وكفر نعم الله علينا. فما زالت تلك المقالة ... (الاعتراف بالظلم) قائمة بهم ومستمرين عليها حتى جعلناهم كالزرع المحصود ميتين قد خمدت حركاتهم وأصواتهم. وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما عبثًا ولعبًا وإنما خلقناهما بالعدل والقسط وأنها دالة على عظمة الله وأنه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. لو أردنا أن نتخذ لهوًا لاتخذناه من عندنا وما كنا فاعلين اللهو والعبث واللعب فأن ما يصدر منا كله حق لا لعب فيه ولا لهو. بل ندمر الباطل بأن نقذفه ونضربه بالحق فيشج دماغه فإذا هو ذاهب مضمحل، ولكم أيها الكفار الهلاك والعذاب بسبب ما تصفون الله به من السوء كاتخاذ الولد والصاحبة والشريك. ولله وحده ملك من في السموات والأرض فكلهم عبيده خاضعون له تحت قهره، والملائكة لا يستنكفون عن عبادة الله ولا يتعبون ولا يملون ولا يتوقفون عنها. يسبحون الليل والنهار فهم في عبادة باستمرار وفي تسبيح على الدوام طاعة لله فلا يسأمون ولا يملون ولا يضعفون عن الطاعة والتسبيح.
(1) الأنبياء: الآية / 10 ـ 20.