فهرس الكتاب

الصفحة 2018 من 6606

والجلايا الإلهية صار مثل هذا الإنسان متوغلًا في عالم القدس والطهارة متبرئًا عن علائق الجسم والحس ثم لا يزال هذا الإنسان يتزايد في هذه الأحوال الشريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلاّ الله ولا يسمع إلاّ الله ولا يتحرك إلاّ بالله ولا يسكن إلاّ بالله ولا يمشي إلا بالله فكان نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية وتخلل فيها وغاص في جواهرها وتوغل في ماهياتها فمثل هذا الإنسان هو الموصوف حقًا بأنه خليل لما أنه تخللت محبة الله في جميع قواه وإليه الإشارة بقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في دعائه ( اللّهم اجعل في قلبي نورًا وفي سمعي نورًا وفي بصري نورًا وفي عصبي نورًا )

المسألة الثالثة قال بعض النصارى لما جاز إطلاق اسم الخليل على إنسان معين على سبيل الاعزاز والتشريف فلم لا يجوز إطلاق اسم الابن في حق عيسى عليه السلام على سبيل الاعزاز والتشريف

وجوابه أن الفرق أن كونه خليللًا عبارة عن المحبة المفرطة وذلك لا يقتضي الجنسية أما الابن فإنه مشعر بالجنسية وجلّ الإل ه عن مجانسة الممكنات ومشابهة المحدثات

ثم قال تعالى وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَى ْء مُّحِيطًا وفيه مسائل

المسألة الأولى في تعلق هذه الآية بما قبلها وفيه وجوه الأول أن يكون المعنى أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلًا لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين وكيف يعقل ذلك وله ملك السماوات والأرض وما كان كذلك فكيف يعقل أن يكون محتاجًا إلى البشر الضعيف وإنما اتخذه خليلًا بمحض الفضل والإحسان والكرم ولأنه لما كان مخلصًا في العبودية لا جرم خصه الله بهذا التشريف والحاصل أن كونه خليلًا يوهم الجنسية فهو سبحانه أزال وهم المجانسة والمشاكلة بهذا الكلام والثاني أنه تعالى ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع أنواعًا كثيرة من الأمر والنهي والوعد والوعيد فبيّن هاهنا أنه إل ه المحدثات وموجد الكائنات والممكنات ومن كان كذلك كان ملكًا مطاعًا فوجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وأن ينقاد لأمره ونهيه الثالث أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد ولا يمكن الوفاء بهما إلاّ عند حصول أمرين أحدهما القدرة التامة المتعلقة بجميع الكائنات والممكنات والثاني العلم التام المتعلق بجميع الجزئيات والكليات حتى لا يشتبه عليه المطيع والعاصي والمحسن والمسيء فدل على كمال قدرته بقوله وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ وعلى كمال علمه بقوله وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَى ْء مُّحِيطًا الرابع أنه سبحانه لما وصف إبراهيم بأنه خليله بين أنه مع هذه الخلة عبد له وذلك لأنه له ما في السماوات وما في الأرض ويجري هذا مجرى قوله إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ إِلاَّ اتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا ( مريم 93 ) ومجرى قوله لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا للَّهِ وَلاَ الْمَلَئِكَة ُ الْمُقَرَّبُونَ ( النساء 172 ) يعني أن الملائكة مع كمالهم في صفة القدرة والقوة في صفة العلم والحكمة لما لم يستنكفوا عن عبودية الله فكيف يمكن أن يستنكف المسيح مع ضعف بشريته عن عبودية الله كذا هاهنا يعني إذا كان كل من في السماوات والأرض ملكه في تسخيره ونفاذ إلاهيته فكيف يعقل أن يقال إن اتخاذ الله إبراهيم عليه السلام خليلًا يخرجه عن عبودية الله وهذه الوجوه كلها حسنة متناسبة

المسألة الثانية إنما قال مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ ولم يقل ( من ) لأنه ذهب مذهب الجنس والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنيس ذكر بما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت