فهرس الكتاب
المسألة الثالثة قوله وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَى ْء فيه وجهان أحدهما المردا منه الإحاطة في العلم والثاني المراد منه الإحاطة بالقدرة كما في قوله لعالى مُّسْتَقِيمًا وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ( الفتح 21 ) قال القائلون بهذا القول وليس لقائل أن يقول لما دل قوله وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ على كمال القدرة فلو حملنا قوله وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَى ْء مُّحِيطًا على كمال القدرة لزم التكرار وذلك لأنا نقول إن قوله للَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ لا يفيد ظاهره إلاّ كونه تعالى قادرًا مالكًا لكل ما في السماوات وما في الأرض ولا يفيد كونه قادرًا على ما يكون خارجًا عنهما ومغايرًا لهما فلما قال وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَى ْء مُّحِيطًا دل على كونه قادرًا على ما لا نهاية له من المقدورات خارجًا عن هذه السماوات والأرض على أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الكائنات والممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه فهذا تقرير هذا القول إلاّ أن القول الأول أحسن لما بينا أن الإل هية والوفاء بالوعد إنما يحصل ويكمل بمجموع القدرة والعلم فلا بدّ من ذكرهما معًا وإنما قدم ذكر القدرة على ذكر العلم لما ثبت في علم الأصول أن العلم بالله هو العلم بكونه قادرًا ثم بعد العلم بكونه قادرًا يعلم كونه عالمًا لما أن الفعل بحدوثه يدل على القدرة وبما فيه من الأحكام والإتقان يدل على العلم ولا شك أن الأول مقدم على الثاني
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَآءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ فِى يَتَامَى النِّسَآءِ الَّلَاتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا
اعلم أن عادة الله في ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه وهو أنه يذكر شيئًا من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والترغيب والترهيب ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعظمة إل هيته ثم يعود مرة أخرى إلى بيان الأحكام وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير في القلوب لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع في موقع القبول إلاّ إذا كان مقرونًا بالوعد والوعيد والوعد والوعيد لا يؤثر في القلب إلاّ عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد فظهر أن هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق
إذا عرفت هذا فنقول إنه سبحانه ذكر في أول هذه السورة أنواعًا كثيرة من الشرائع والتكاليف ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى في ذلك ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال الله وكمال كبريائه ثم عاد بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النّسَاء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وفي الآية مسائل