فهرس الكتاب

الصفحة 2206 من 6606

وأعلم أن حسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين الأول أنهم كانوا يعتقدون أن النسخ ممتنع على شرع موسى عليه السلام وكانوا يعتقدون أن الواجب عليهم في كل رسول جاء بشرع آخر أنه يجب عليهم تكذيبه وقتله والثاني أنهم وإن اعتقدوا في أنفسهم كونهم مخطئين في ذلك التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولن نحن أبناء الله وأحباؤه وكانوا يعتقدون أن نبوّة أسلافهم وآبائهم تدفع عنهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب

ثم قال تعالى فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مّنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ

فيه مسائل

المسألة الأولى الآية دالة على أن عماهم وصممهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين

واختلف المفسرون في المراد بهاتين على وجوه الأول المراد أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ثم تاب الله على بعضهم حيث وفق بعضهم للإيمان به ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان ممحمد عليه الصلاة والسلام فأن أنكرلوا نبوّته ورسالته وإنما قال كَثِيرٌ مّنْهُمْ لأن أكثر اليهود وإن أصروا على الكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام إلا أن جمعًا منهم آمنوا به مثل عبد الله بن سلام وأصحابه الثاني عموا وصموا حين عبدوا العجل ثم تابوا عنه فتاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت وهو طلبهم رؤية الله جهرة ونزول الملائكة الثالث قال القفال رحمه الله تعالى ذكر الله تعالى في سورة بني إسرائيل ما يجوز أن يكون تفسيرًا لهذه الآية فقال وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِى إِسْراءيلَ فِى الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِى الاْرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَآء وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَالَ الدّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّة َ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ( الإسراء 4 6 ) فهذا في معنى فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثم قال فَإِذَا جَاء وَعْدُ الاْخِرَة ِ لِيَسُوءواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّة ٍ وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا ( الإسراء 7 ) فهذا في معنى قوله ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مّنْهُمْ الرابع أن قوله فَعَمُواْ وَصَمُّواْ إنما كان برسول أرسل إليهم مثل داود وسليمان وغيرهما فآمنوا به فتاب الله عليهم ثم وقعت فترة فعموا وصموا مرة أخرى

المسألة الثانية قريء وَصَمُّواْ ثُمَّ بالضم على تقدير عماهم الله وصمهم الله أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم كما تقول نزكته إذا ضربته بالنزك وهو رمح قصير وركبته إذا ضربته بركبتك

المسألة الثالثة في قوله ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مّنْهُمْ وجوه الأول على مذهب من يقول من العرب ( أكلوني البراغيث ) والثاني أن يكون كَثِيرٌ مّنْهُمْ بدلًا عن الضمير في قوله ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ والإبدال كثير في القرآن قال تعالى الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَى ْء خَلَقَهُ ( السجدة 7 ) وقال وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ( آل عمران 97 ) وهذا الإبدال هاهنا في غاية الحسن لأنه لو قال عموا وصموا لأوهم ذلك أن كلهم صاروا كذلك فلما قال كَثِيرٌ مّنْهُمْ دل على أن ذلك حاصل للأكثر لا للكل الثالث أن قوله كَثِيرٌ مّنْهُمْ خبر مبتدأ محذوف والتقدير هم كثير منهم

المسألة الرابعة لا شك أن المراد بهذا العمى والصمم الجهل والكفر فنقول إن فاعل هذا الجهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت