فهرس الكتاب
جبير وسعيد بن المسيب وشريح ومجاهد وابن سيرين وابن جريج قالوا إذا كان الإنسان في الغربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته جاز له أن يشهد اليهودي أو النصراني أو المجوسي أو عابد الوثن أو أي كافر كان وشهادتهم مقبولة ولا يجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلا في هذه الصورة قال الشعبي رحمه الله مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان واليا عليها فأخبراه بالواقعة وقدما تركته ووصيته فقال أبو موسى هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ثم حلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر بالله أنهما ما كذبا ولا بدلا وأجاز شهادتهما ثم إن القائلين بهذا القول منهم من قال هذا الحكم بقي محكما ومنهم من قال صار منسوخا
القول الثاني وهو قول الحسن والزهري الفقهاؤ أن قوله ذوا عدل منكم أي من أقاربكم وقوله أو آخران من غيركم أي من الأجانب إن أنتم ضربتم في الأرض أي أن توقع الموت في السفر ولم يكن معهم أحد من أقاربكم فاستشهدوا أجنبيين على الوصية وجعل الأقارب أولا لأنهم أعلم بأحوال الميت وهم به أشفق وبورثته أرحم وأرأف واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بوجوه
الحجة الأولى أنه تعالى قال في أول الآية يا أيها الذين آمنوا فعمم بهذا الخطاب جميع المؤمنين فلما قال بعده أو آخران من غيركم كان المراد أو آخران من جميع المؤمنين لا محالة
الحجة الثانية أنه تعالى قال أو لآخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض وهذا يدل على أن جواز الاستشهاد بهذين الآخرين مشروط بكون المستشهد في السفر فلو كان هذان الشاهدان مسلمين لما كان جواز الاستشهاد بهما مشروطا بالسفر لأن استشهاد المسلم جائز في السفر والحضر
الحجة الثالثة الآية دالة على وجوب الحلف على هذين الشاهدين من بعد الصلاة وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه الحلف فعلمنا أن هذين الشاهدين ليسا من المسلمين
الحجة الرابعة أن سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من شهادة النصاريين على بديل وكان مسلما
الحجة الخامسة ما روينا أن أبا موسى الأشعري قضى بشهادة اليهوديين بعد أن حلفهما وما أنكر عليه أحد من الصحابة فكان ذلك إجماعا
الحجة السادسة إنا إنما نجيز إشهاد الكافرين إذا لم نجد أحدا من المسلمينن والضرورات قد تبيح المحذورات ألا ترى أنه تعالى أجاز التيمم والقصر في الصلاة والافطار في رمضان وأكل الميتة في حال الضرورة والضرورة حاصلة في هذه المسألة لأن المسلم إذا قرب أجله في الغربة ولم يجد مسلما يشهده على نفسه ولم تكن شهادة الكفار مقبولة فإنه يضيع أكثر مهماته فإنه ربما وجبت عليه زكوات وكفارات وما أداها وربما كان عنده ودائع أو ديون كانت في ذمته وكما تجوز شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة والاستهلال لأجل أنه لا يمكن وقوف الرجال على هذه الاحوال فاكتفينا فيها بشهادة النساء لأجل الضرورة فكذا ههنا وأما قول من يقول بأن هذا الحكم صار منسوخا فبعيد لاتفاق أكثر الأمة على أن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن وليس فيها منسوخ واحتج القائلون بالقول الثاني بقوله وأشهدوا ذوي عدك منكم الطلاق 2 والكافر لا يكون عدلا