فهرس الكتاب
أجاب الأولون عنه لم لا يجوز ان يكون المراد بالعدل من كان عدلا في الاحتراز عن الكذب لا بد من كان عدلا في الدين والاعتقاد والدليل عليه أنا أجمعنا على قبول شهادة أهل الأهواء والبدع مع أنهم ليسوا عدولا في مذاهبهم ولكنهم لما كانوا عدولا في الاحتراز عن الكذب قبلنا شهادتهم فكذا ههنا سلمنا أن الكافر ليس بعدل إلا أن قوله وأشهدوا ذوي عدل منكم عام وقول في هذه الآية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض خاص فإنه أوجب شهادة العدل الذي يكون منا في الحضر واكتفى بشهادة من لا يكون منا في السفر فهذه الآية خاصة والآية التي ذكرتموها عامة والخاص مقدم على العام لا سيما إذا كان الخاص متأخرا في النزول ولا شك أن سورة المائدة متأخرة فكان تقديم هذه الآية الخاصة على الآية العامة التي ذكرتموها واجبا بالاتفاق والله أعلم
ثم قال تعالى أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابكم مصيبة الموت
وفيه مسألتان
المسألة الأولى قوله أو آخران عطف على قوله اثنان والتقدير شهادة بينكم أن يشهد اثنان منكم أو آخران من غيركم
المسألة الثانية قوله إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابكم مصيبة الموت المقصود منه بيان أن جواز الاستشهاد بآخرين من غيرهم مشروط بما إذا كان المستشهد مسافرا ضاربا في الأرض وحضرت علامات نزول الموت به
ثم قال تعالى وتحسبونهما من بعد الصلاة وفيه مسألتان
المسألة الأولى تحسبونهما أي توقفونهما كما يقول الرجل مر بي فلان على فرس فحبس علي دابته أي أوقفها وحبست الرجل في الطريق أكلمه أي أوقفته
فإن قيل ما موقع تحبسونهما
قلنا هو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن حصلت الريبة فيهما فقيل تحبسونهما
المسألة الثانية قوله من بعد الصلاة فيه أقوال الأول قال ابن عباس من بعد صلاة أهل دينهما والثاني قال عامة المفسرين من بعد صلاة العصر
فإن قيل كيف عرف أن المراد هو صلاة العصر مع أن المذكور هو الصلاة المطلقة
قلنا إنما عرف هذا التعيين بوجوه أحدها أن هذا الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعدها فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ وثانيها ما روي أنه لما نزلت هذه الآية صلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر فصار فعل الرسول دليلا على التقييد وثالثها أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها
والقول الثالث قال الحسن المراد بعد الظهر أو بعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما