فهرس الكتاب

الصفحة 2272 من 6606

الصادقين صدقهم ويجوز أن تجعل ظروف الزمان أخبارًا عن الأحداث بهذا التأويل كقولك القتال يوم السبت والحج يوم عرفة أي واقع في ذلك اليوم والثالث قال الفرّاء يَوْمٍ أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في يومئذ قال البصريون هذا خطأ لأن الظرف إنما يبنى إذا أضيف إلى المبنى كقول النابغة

على حين عاتبت المشيب على الصبا

بنى ( حين ) لإضافته إلى المبنى وهو الفعل الماضي وكذلك قوله يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ ( الإنفطار 19 ) بني لإضافته إلى ( لا ) وهي مبنية أما هنا فالإضافة إلى معرب لأن ينفع فعل مستقبل والفعل المستقبل معرب فالإضافة إليه لا توجب البناء والله أعلم

ثم قال تعالى لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِى َ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

اعلم أنه تعالى لما أخبر أن صدق الصادقين في الدنيا ينفعهم في القيامة شرح كيفية ذلك النفع وهو الثواب وحقيقة الثواب أنها منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم فقوله لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ إشارة إلى المنفعة الخالصة عن الغموم والهموم وقوله خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إشارة إلى الدوام واعتبر هذه الدقيقة فإنه أينما ذكر الثواب قال خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وأينما ذكر عقاب الفساق من أهل الايمان ذكر لفظ الخلود ولم يذكر معه التأبيد وأما قوله تعالى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فهو إشارة إلى التعظيم هذا ظاهر قول المتكلمين وأما عند أصحاب الأرواح المشرقة بأنوار جلال الله تعالى فتحت قوله رّضِى َ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا الله من أهلها وقوله ذالِكَ الْفَوْزُ الجمهور على أن قوله يَفْعَلْ ذالِكَ عائد إلى جملة ما تقدم من قوله لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي إلى قوله وَرَضُواْ عَنْهُ وعندي أنه يحتمل أن يكون ذلك مختصًا بقوله رَّضِى َ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ فإنه ثبت عند أرباب الألباب أن جملة الجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنسبة إلى الوجود وكيف والجنة مرغوب الشهوة والرضوان صفة الحق وأي مناسبة بينهما وهذا الكلام يشمئز منه طبع المتكلم الظاهري ولكن كل ميسر لما خلق له ثم قال تعالى

للَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأرض وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَى ْءٍ قَدِيرٌ

قيل إن هذا جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل من يعطيهم ذلك الفوز العظيم فقيل الذي له ملك السماوات والأرض وفي هذه الخاتمة الشريفة أسرار كثيرة ونحن نذكر القليل منها فالأول أنه تعالى قال للَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وَمَا فِيهِنَّ ولم يقل ومن فيهن فغلب غير العقلاء والسبب فيه التنبيه على أن كل المخلوقات مسخرون في قبضة قهره وقدرته وقضائه وقدره وهم في ذلك التسخير كالجمادات التي لا قدرة لها وكالبهائم التي لا عقل لها فعلم الكل بالنسبة إلى علمه كلا علم وقدرة الكل بالنسبة إلى قدرته كلا قدرة والثاني أن مفتتح السورة كان بذكر العهد المنعقد بين الربوبية والعبودية فقال عَلِيمٌ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ( المائدة 1 ) وكمال حال المؤمن في أن يشرع في العبودية وينتهي إلى الفناء المحض عن نفسه بالكلية فالأول هو الشريعة وهو البداية والآخر هو الحقيقة وهو النهاية فمفتتح السورة من الشريعة ومختتمها بذكر كبرياء الله وجلاله وعزته وقدرته وعلوه وذلك هو الوصول إلى مقام الحقيقة فما أحسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت