فهرس الكتاب

الصفحة 2508 من 6606

تعالى ذو السلام فإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته كان أولى

النوع الثاني من الفوائد المذكورة في هذه الآية قوله عِندَ رَبّهِمْ وفي تفسيره وجوه

الوجه الأول المراد أنه معد عنده تعالى كما تكون الحقوق معدة مهيأة حاضرة ونظيره قوله تعالى جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها وكونهم على ثقة من ذلك

الوجه الثاني وهو الأقرب إلى التحقيق أن قوله عِندَ رَبّهِمْ يشعر بأن ذلك الأمر المدخر موصوف بالقرب من الله تعالى وهذا القرب لا يكون بالمكان والجهة فوجب كونه بالشرف والعلو والرتبة وذلك يدل على أن ذلك الشيء بلغ في الكمال والرفعة إلى حيث لا يعرف كنهه إلا الله تعالى ونظيره قوله تعالى فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِى َ لَهُم مّن قُرَّة ِ أَعْيُنٍ ( السجدة 17 )

الوجه الثالث أنه قال في صفة الملائكة وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وقال في صفة المؤمنين في الدنيا أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي وقال أيضًا أنا عند ظن عبدي بي وقال في صفتهم يوم القيامة فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ ( القمر 55 ) وقال في دارهم لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبّهِمْ وقال في ثوابهم جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ ( البينة 8 ) وذلك يدل على أن حصول كمال صفة العبودية بواسطة صفة العندية

النوع الثالث من التشريفات المذكورة في هذه الآية قوله وَهُوَ وَلِيُّهُم والولي معناه القريب فقوله عِندَ رَبّهِمْ يدل على قربهم من الله تعالى وقوله وَهُوَ وَلِيُّهُم يدل على قرب الله منهم ولا نرى في العقل درجة للعبد أعلى من هذه الدرجة وأيضًا فقوله وَهُوَ وَلِيُّهُم يفيد الحصر أي لا ولي لهم إلا هو وكيف وهذا التشريف إنما حصل على التوحيد المذكور في قوله فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا فهؤلاء الأقوام قد عرفوا من هذه الآية أن المدبر والمقدر ليس إلا هو وأن النافع والضار ليس إلا هو وأن المسعد والمشقي ليس إلا هو وأنه لا مبدىء للكائنات والممكنات إلا هو فلما عرفوا هذا انقطعوا عن كل ما سواه فما كان رجوعهم إلا إليه وما كان توكلهم إلا عليه وما كان أنسهم إلا به وما كان خضوعهم إلا له فلما صاروا بالكلية لا جرم قال تعالى وَهُوَ وَلِيُّهُم وهذا إخبار بأنه تعالى متكفل بجميع مصالحهم في الدين والدنيا ويدخل فيها الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة وإيصال الخيرات ودفع الآفات والبليات

ثم قال تعالى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وإنما ذكر ذلك لئلا ينقطع المرء عن العمل فإن العمل لا بد منه وتحقيق القول فيه أن بين النفس والبدن تعلقًا شديدًا فكما أن الهيآت النفسانية قد تنزل من النفس إلى البدن مثل ما إذا تصور أمرًا مغضبًا ظهر الأثر عليه في البدن فيسخن البدن ويحمى فكذلك الهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس فإذا واظب الإنسان على أعمال البر والخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس وذلك يدل على أن السالك لا بد له من العمل وأنه لا سبيل له إلى تركه البتة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت