فهرس الكتاب

الصفحة 2593 من 6606

اعلم أنه تعالى لما بين أمر الأمر بالفحشاء بين تعالى أنه يأمر بالقسط والعدل وفيه مسائل

المسألة الأولى قوله أَمَرَ رَبّي بِالْقِسْطِ يدل على أن الشيء يكون في نفسه قسطًا لوجوه عائدة إليه في ذاته ثم أنه تعالى يأمر به لكونه كذلك في نفسه وذلك يدل أيضًا على أن الحسن إنما يحسن لوجوه عائدة إليه وجوابه ما سبق ذكره

المسألة الثانية قال عطاء والسدي بِالْقِسْطِ بالعدل وبما ظهر في المعقول كونه حسنًا صوابًا وقال ابن عباس هو قول لا إله إلا الله والدليل عليه قوله شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَة ُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ ( آل عمران 18 ) وذلك القسط ليس إلا شهادة أن لا إله إلا الله فثبت أن القسط ليس إلا قول لا إله إلا الله

إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء أولها أنه أمر بالقسط وهو قول لا إله إلا الله وهو يشتمل على معرفة الله تعالى بذاته وأفعاله وأحكامه ثم على معرفة أنه واحد لا شريك له وثانيها أنه أمر بالصلاة وهو قوله وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وفيه مباحث

البحث الأول أنه لقائل أن يقول أَمَرَ رَبّي بِالْقِسْطِ خبر وقوله وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز وجوابه التقدير قل أمر ربي بالقسط وقل أقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين

البحث الثاني في الآية قولان أحدهما المراد بقوله أَقِيمُواْ هو استقبال القبلة والثاني أن المراد هو الإخلاص والسبب في ذكر هذين القولين أن إقامة الوجه في العبادة قد تكون باستقبال القبلة وقد تكون بالإخلاص في تلك العبادة والأقرب هو الأول لأن الإخلاص مذكور من بعد ولو حملناه على معنى الإخلاص صار كأنه قال وأخلصوا عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين وذلك لا يستقيم

فإن قيل يستقيم ذلك إذا علقت الإخلاص بالدعاء فقط

قلنا لما أمكن رجوعه إليهما جميعًا لم يجز قصره على أحدهما خصوصًا مع قوله مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فإنه يعم كل ما يسمى دينًا

إذا ثبت هذا فنقول قوله عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ اختلفوا في أن المراد منه زمان الصلاة أو مكانه والأقرب هو الأول لأنه الموضع الذي يمكن فيه إقامة الوجه للقبلة فكأنه تعالى بين لنا أن لا نعتبر الأماكن بل نعتبر القبلة فكان المعنى وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة وقال ابن عباس المراد إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم لاأصلي إلا في مسجد قومي

ولقائل أن يقول حمل لفظ الآية على هذا بعيد لأن لفظ الآية يدل على وجوب إقامة الوجه في كل مسجد ولا يدل على أنه لا يجوز له العدول من مسجد إلى مسجد

وأما قوله وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فاعلم أنه تعالى لما أمر في الآية الأولى بالتوجه إلى القبلة أمر بعده بالدعاء والأظهر عندي أن المراد به أعمال الصلاة وسماها دعاء لأن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء ولأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر وبين أنه يجب أن يؤتى بذلك الدعاء مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت