فهرس الكتاب
الإخلاص ونطيره قوله تعالى وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ ( البينة 5 ) ثم قال تعالى كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ وفيه قولان
القول الأول قال ابن عباس كَمَا بَدَأَكُمْ خلقكم مؤمنًا أو كافرًا تَعُودُونَ فبعث المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا فإن من خلقه الله في أول الأمر للشقاوة أعمله بعمل أهل الشقاوة وكانت عاقبته الشقاوة وان خلقه للسعادة أعمله بعمل أهل السعادة وكانت عاقبته السعادة
والقول الثاني قال الحسن ومجاهد كَمَا بَدَأَكُمْ خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئًا كذلك تعودون أحياء فالقائلون بالقول الأول احتجوا على صحته بأنه تعالى ذكر عقيبه قوله فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَة ُ وهذا يجري مجرى التفسير لقوله كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ وذلك يوجب ما قلناه قال القاضي هذا القول باطل لأن أحدًا لا يقول إنه تعالى بدأنا مؤمنين أو كافرين لأنه لا بد في الإيمان والكفر أن يكون طارئًا وهذا السؤال ضعيف لأن جوابه أن يقال كما بدأكم بالإيمان والكفر والسعادة والشقاوة فكذلك يكون الحال عليه يوم القيامة واعلم أنه تعالى أمر في الآية أولًا بكلمة ( القسط ) وهي كلمة لا إله إلا الله ثم أمر بالصلاة ثانيًا ثم بين أن الفائدة في الإتيان بهذه الأعمال إنما تظهر في الدار الآخرة ونظيره قوله عالى في ( طه ) لموسى عليه السلام إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَواة َ لِذِكْرِى إِنَّ السَّاعَة َ ءاتِيَة ٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ( طه 14 15 )
ثم قال تعالى فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَة ُ وفيه بحثان
البحث الأول احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله تعالى قالت المعتزلة المراد فريقًا هدى إلى الجنة والثواب وفريقًا حق عليهم الضلالة أي العذاب والصرف عن طريق الثواب قال القاضي لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيرهم إذ العبد لا يستحق لأن يضل عن الدين إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة وفي ذلك زوال الثقة بالنبوات
واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين الأول أن قوله فَرِيقًا هَدَى إشارة إلى الماضي وعلى التأويل الذي يذكرونه يصير المعنى إلى أنه تعالى سيهديهم في المستقبل ولو كان المراد أنه تعالى حكم في الماضي بأنه سيهديهم إلى الجنة كان هذا عدولًا عن الظاهر من غير حاجة لأنا بينا بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى والثاني نقول هب أن المراد من الهداية والضلال حكم الله تعالى بذلك إلا أنه لما حصل هذا الحكم امتنع من العبد صدور غيره وإلا لزم انقلاب ذلك الحكم كذبًا والكذب على الله محال والمفضي إلى المحال محال فكان صدور غير ذلك الفعل من العبد محالًا وذلك يوجب فساد مذهب المعتزلة من هذا الوجه والله أعلم
البحث الثاني انتصاب قوله وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَة ُ بفعل يفسره ما بعده كأنه قيل وخذل فريقًا حق عليهم الضلالة ثم بين تعالى أن الذي لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة هو أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله فقبلوا ما دعوهم إليه ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل