فهرس الكتاب
عن الحيوان موقوفًا على حكمه بكون ذلك الفعل خيرًا من تركه لا جرم سمى الفعل الحيواني فعلًا اختياريًا والله أعلم
فإن قيل إن الإنسان قد يقتل نفسه وقد يرمي نفسه من شاهق جبل مع أنه يعلم أن ذلك ليس من الخيرات بل من الشرور
فنقول إن الإنسان لا يقدم على قتل نفسه إلا إذا اعتقد أنه بسبب ذلك القتل يتخلص عن ضرر أعظم من ذلك القتل والضرر الأسهل بالنسبة إلى الضرر الأعظم يكون خيرًا لا شرًا وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم
المسألة الثانية قال جماعة النحويين معناه واختار موسى من قومه سبعين فحذفت كلمة ( من ) ووصل الفعل فنسب يقال اخترت من الرجال زيدًا واخترت الرجال زيدًا وأنشدوا قول الفرزدق ومنا الذي اختار الرجال سماحة
وجودًا إذا هب الرياح الزعازع
قال أبو علي والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني من ذلك قولك اخترت من الرجال زيدًا ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيدًا وقولك أستغفر الله من ذنبي وأستغفر الله ذنبي قال الشاعر أستغفر الله ذنبًا لست أحصيه
ويقال أمرت زيدًا بالخير وأمرت زيدًا الخير قال الشاعر أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
والله أعلم
وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير واختار موسى قومه لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقًا لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم وقوله سَبْعِينَ رَجُلًا عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكروه من التكلفات
المسألة الثالثة ذكروا أن موسى عليه السلام اختار من قومه اثني عشر سبطًا من كل سبط ستة فصاروا اثنين وسبعين فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاجروا فقال إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع وروى أنه لم يجد إلا ستين شيخًا فأوحى الله إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخًا فأمرهم أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى الميقات
المسألة الرابعة هذا الاختيار هل هو للخروج إلى الميقات الذي كلم الله تعالى موسى فيه وسأل موسى من الله الرؤية أو هو للخروج إلى موضع آخر فيه أقوال للمفسرين
القول الأول إنه لميقات الكلام والرؤية قالوا إنه عليه السلام خرج بهؤلاء السبعين إلى طور سيناء فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام حتى أحاط بالجبل كله ودنا موسى عليه السلام ودخل فيه وقال للقوم ادنوا فدنوا حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجدًا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه