فهرس الكتاب

الصفحة 2785 من 6606

واعلم أن حاصل الفرق بين القولين هو أن هذا الرجل في القول الأول كان عالمًا بدين الله وتوحيده ثم خرج منه وعلى القول الثاني لما آتاه الله الدلائل والبينات امتنع من قبولها والقول الأول أولى لأن قوله انسلخ منها يدل على أنه كان فيها ثم خرج منها وأيضًا فقد ثبت بالأخبار أن هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالمًا بدين الله تعالى ثم خرج منه إلى الكفر والضلال

أما قوله فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ففيه وجوه الأول أتبعه الشيطان كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعًا له والثاني قال عبد الله بن مسلم فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ أي أدركه يقال أتبعت القوم أي لحقتهم قال أبو عبيدة ويقال أتبعت القوم مثال أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم ويقال ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم أي حتى أدركتهم وقوله فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ أي أطاع الشيطان فكان من الظالمين قال أهل المعاني المقصود منه بيان أن من أوتي الهدى فانسلخ منه إلى الضلال والهوى والعمى ومال إلى الدنيا حتى تلاعب به الشيطان كان منتهاه إلى البوار والردى وخاب في الآخرة والأولى فذكر الله قصته ليحذر الناس عن مثل حالته وقوله وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا قال أصحابنا معناه ولو شئنا رفعناه للعمل بها فكان يرفع بواسطة تلك الأعمال الصالحة منزلته ولفظة لَوْ تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فهذا يدل على أنه تعالى قد لا يريد الإيمان وقد يريد الكفر وقال المعتزلة لفظ الآية يحتمل وجوهًا أخرى سوى هذا الوجه فالأول قال الجبائي معناه ولو شئنا لرفعناه بأعماله بأن نكرمه ونزيل التكليف عنه قبل ذلك الكفر حتى نسلم له الرفعة لكنا رفعناه بزيادة التكليف بمنزلة زائدة فأبى أن يستمر على الإيمان الثاني لو شئنا لرفعناه بأن نحول بينه وبين الكفر قهرًا وجبرًا إلا أن ذلك ينافي التكليف فلا جرم تركناه مع اختياره

والجواب عن الأول أن حمل الرفعة على الأماتة بعيد وعن الثاني أنه تعالى إذا منعه منه قهرًا لم يكن ذلك موجبًا للثواب والرفعة

ثم قال تعالى وَلَاكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الاْرْضِ قال أصحاب العربية أصل الإخلاد اللزوم على الدوام وكأنه قيل لزم الميل إلى الأرض ومنه يقال أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به قال مالك بن سويد بأبناء حي من قبائل مالك

وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا

قال ابن عباس وَلَاكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الاْرْضِ يريد مال إلى الدنيا وقال مقاتل بالدنيا وقال الزجاج سكن إلى الدنيا قال الواحدي فهؤلاء فسروا الأرض في هذه الآية بالدنيا وذلك لأن الدنيا هي الأرض لأن ما فيها من العقار والضياع وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان مستخرج من الأرض وإنما يقوى ويكمل بها فالدنيا كلها هي الأرض فصح أن يعبر عن الدنيا بالأرض ونقول لو جاء الكلام على ظاهره لقيل لو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ إلا أن قوله وَلَاكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الاْرْضِ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه قوله وَاتَّبَعَ هَوَاهُ معناه أنه أعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات واتبع الهوى فلا جرم وقع في هاوية الردى وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم وذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت