فهرس الكتاب
الرجل بآياته وبيناته وعلمه الاسم الأعظم وخصه بالدعوات المستجابة لما اتبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب وذلك يدل على أن كل من كانت نعم الله في حقه أكثر فإذا أعرض عن متابعة الهدى وأقبل على متابعة الهوى كان بعده عن الله أعظم وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام ( من ازداد علمًا ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدًا ) أو لفظ هذا معناه
ثم قال تعالى فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث قال الليث اللهث هو أن الكلب إذا ناله الإعياء عند شدة العدو وعند شدة الحر فإنه يدلع لسانه من العطش
واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب وإنما وقع بالكلب اللاهث وأخس الحيوانات هو الكلب وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث فمن آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا وأخلد إلى الأرض كان مشبهًا بأخس الحيوانات وهو الكلب اللاهث وفي تقرير هذا التمثيل وجوه الأول أن كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في حال الإعياء وفي حال الراحة وفي حال العطش وفي حال الري فكان ذلك عادة منه وطبيعة وهو مواظب عليه كعادته الأصلية وطبيعته الخسيسة لا لأجل حاجة وضرورة فكذلك من آتاه الله العلم والدين أغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا ويلقى نفسه فيها كانت حاله كحال ذلك اللاهث حيث واظب على العمل الخسيس والفعل القبيح لمجرد نفسه الخبيثة وطبيعته الخسيسة لا لأجل الحاجة والضرورة والثاني أن الرجل العالم إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا فذاك إنما يكون لأجل أنه يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات وتقرير تلك العبارات يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا فكانت حالته شبيهة بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبدًا من غير حاجة ولا ضرورة بل بمجرد الطبيعة الخسيسة والثالث أن الكلب اللاهث لا يزال لهثة البتة فكذلك الأنسان الحريص لا يزال حرصه البتة
أما قوله تعالى إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ فالمعنى أن هذا الكلب إن شد عليه وهيج لهث وإن ترك أيضًا لهث لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له فكذلك هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسارة عادة أصلية وطبيعية ذاتية له
فإن قيل ما محل قوله إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث
قلنا النصب على الحال كأنه قيل كمثل الكلب ذليلًا لاهثًا في الأحوال كلها
ثم قال تعالى ذالِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَاتِنَا فعم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات الله قال ابن عباس يريد أهل مكة كانوا يتمنون هاديًا يهديهم وداعيًا يدعوهم إلى طاعة الله ثم جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته فكذبوه فحصل التمثيل بينهم وبين الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث لأنهم لم يهتدوا لما تركوا ولم يهتدوا لما جاءهم الرسول فبقوا على الضلال في كل الأحوال مثل هذا الكلب الذي بقي على اللهث في كل الأحوال