فهرس الكتاب

الصفحة 2964 من 6606

ومنعها من الغير الذي يمكنه أن يدفع حاجته بها فكان هذا الإنسان بهذا المنع مانعًا من ظهور حكمته ومانعًا من وصول إحسان الله إلى عبيده

واعلم أن الطريق الحق أن يقال الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع فالأول محمول على التقوى والثاني على ظاهر الفتوى أما بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فبوجوه

الوجه الأول أن الإنسان إذا أحب شيئًا فكلما كان وصوله إليه أكثر والتذاذه بوجدانه أكثر كان حبه له أشد وميله أقوى فالإنسان إذا كان فقيرًا فكأنه لم يذق لذة الانتفاع بالمال وكأنه غافل عن تلك اللذة فإذا ملك القليل من المال وجد بقدره اللذة فصار ميله أشد فكلما صارت أمواله أزيد كان التذاذه به أكثر وكان حرصه في طلبه وميله إلى تحصيله أشد فثبت أن تكثير المال سبب لتكثير الحرص في الطلب فالحرص متعب للروح والنفس والقلب وضرره شديد فوجب على العاقل أن يحترز عن الإضرار بالنفس وأيضًا قد بينا أنه كلما كان المال أكثر كان الحرص أشد فلو قدرنا أنه كان ينتهي طلب المال إلى حد ينقطع عنده الطلب ويزول الحرص لقد كان الأنسان يسعى في الوصول إلى ذلك الحد أما لما ثبت بالدليل أنه كلما كان تملك الأموال أكثر كان الضرر الناشىء من الحرص أكبر وأنه لا نهاية لهذا الضرر ولهذا الطلب فوجب على الإنسان أن يتركه في أول الأمر كما قال رأى الأمر يفضي إلى آخر

فيصير آخره أولًا

والوجه الثاني أن كسب المال شاق شديد وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب التحصيل وأخرى في تعب الحفظ ثم إنه لا ينتفع بها إلا بالقليل وبالآخر يتركها مع الحسرات والزفرات وذلك هو الخسران المبين

والوجه الثالث أن كثرة المال والجاه ثورت الطغيان كما قال تعالى إِنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءاهُ اسْتَغْنَى ( العلق 6 7 ) والطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن ويوقعه في الخسران والخذلان

الوجه الرابع أنه تعالى أوجب الزكاة وذلك سعي في تنقيص المال ولو كان تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه

فإن قيل لم قال عليه السلام ( اليد العليا خير من اليد السفلى )

قلنا اليد العليا إنما أفادته صفة الخيرية لأنه أعطى ذلك القليل فبسبب أنه حصل في ماله ذلك النقصان القليلة حصلت له الخيرية وبسبب أنه حصل للفقير تلك الزيادة القليل حصلت المرجوحية

المسألة الثالثة جاءت الأخبار الكثيرة في وعيد مانعي الزكاة أما منع زكاة النقود فقوله في هذه الآية يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ وأما منع زكاة المواشي فما روي في الحديث أنه تعالى يعذب أصحاب المواشي إذا لم يؤدوا زكاتها بأن يسوق إليه تلك المواشي كأعظم ما تكون في أجسامها فتمر على أربابها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت