فهرس الكتاب

الصفحة 2969 من 6606

المسألة الثالثة في تفسير أحكام الآية إِنَّ عِدَّة َ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أي في علمه اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ وفي تفسير كتاب الله وجوه الأول قال ابن عباس إن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل وهو الأصل للكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء عليهم السلام الثاني قال بعضهم المراد من الكتاب القرآن وقد ذكرنا آيات تدل على أن السنة المعتبرة في دين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) هي السنة القمرية وإذا كان كذلك كان هذا الحكم مكتوبًا في القرآن الثالث قال أبو مسلم فِى كِتَابِ اللَّهِ أي فيما أوجبه وحكم به والكتاب في هذا الموضع هو الحكم والإيجاب كقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ( البقرة 216 ) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ( البقرة 178 ) كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة َ ( الأنعام 54 ) قال القاضي هذا الوجه بعيد لأنه تعالى جعل الكتاب في هذه الآية كالظرف وإذا حمل الكتاب على الحساب لم يستقم ذلك إلا على طريق المجاز ويمكن أن يجاب عنه بأنه وإن كان مجازًا إلا أنه مجاز متعارف يقال إن الأمر كذا وكذا في حساب فلان وفي حكمه

وأما قوله يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ فقد ذكرنا في المسألة الثانية وجوهًا فيما يتعلق به والأقرب ما ذكرناه في الوجه الثالث وهو أن يكون المراد أنه كتب هذا الحكم وحكم به يوم خلق السموات والأرض والمقصود بيان أن هذا الحكم حكم محكوم به من أول خلق العالم وذلك يدل على المبالغة والتأكيد

وأما قوله مِنْهَا أَرْبَعَة ٌ حُرُمٌ فقد أجمعوا على أن هذه الأربعة ثلاثة منها سرد وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب ومعنى الحرم أن المعصية فيها أشد عقابًا والطاعة فيها أكثر ثوابًا والعرب كانوا يعظمونها جدًا حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له

فإن قيل أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة فما السبب في هذا التمييز

قلنا إن هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع فإن أمثلته كثيرة ألا ترى أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة وميز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة المخصوصة وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها وميز بعض الليالي عن سائرها وهي ليلة القدر وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلعة الرسالة وإذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة فأي استبعاد في تخصيص بعض الأشهر بمزيد الحرمة ثم نقول لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن وقوع الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيرًا في طهارة النفس ووقوع المعاصي فيها أقوى تأثيرًا في خبث النفس وهذا غير مستبعد عند الحكماء ألا ترى أن فيهم من صنف كتبًا في الأوقات التي ترجى فيها إجابة الدعوات وذكروا أن تلك الأوقات المعينة حصلت فيها أسباب توجب ذلك وسئل النبي عليه الصلاة والسلام أي الصيام أفضل فقال عليه الصلاة والسلام ( أفضله بعد صيام شهر رمضان صيام شهر الله المحرم ) وقال عليه الصلاة والسلام ( من صام يومًا من أشهر الله الحرم كان له بكل يوم ثلاثون يومًا ) وكثير من الفقهاء غلظوا الدية على القاتل بسبب وقوع القتل في هذه الاْشهر وفيه فائدة أخرى وهي أن الطباع مجبولة على الظلم والفساد وامتناعهم من هذه القبائح على الإطلاق شاق عليهم فالله سبحانه وتعالى خص بعض الأوقات بمزيد التعظيم والاحترام وخص بعض الأماكن بمزيد التعظيم والاحترام حتى أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت