فهرس الكتاب

الصفحة 2970 من 6606

الإنسان ربما امتنع في تلك الأزمنة وفي تلك الأمكنة من القبائح والمنكرات وذلك يوجب أنواعًا من الفضائل والفوائد أحدها أن ترك تلك القبائح في تلك الأوقات أمر مطلوب لأنه يقل القبائح وثانيها أنه لما تركها في تلك الأوقات فربما صار تركه لها في تلك الأوقات سببًا لميل طبعه إلى الإعراض عنها مطلقًا وثالثها أن الإنسان إذا أتى بالطاعات في تلك الأوقات وأعرض عن المعاصي فيها فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في القبائح والمعاصي صار شروعه فيها سببًا لبطلان ما تحمله من العناء والمشقة في أداء تلك الطاعات في تلك الأوقات والظاهر من حال العاقل أن لا يرضى بذلك فيصير ذلك سببًا لاجتنابه عن المعاصي بالكلية فهذا هو الحكمة في تخصيص بعض الأوقات وبعض البقاع بمزيد التعظيم والاحترام

ثم قال تعالى ذالِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وفيه بحثان

البحث الأول أن قوله ذالِكَ إشارة إلى قوله إِنَّ عِدَّة َ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا لا أزيد ولا أنقص أو إلى قوله مِنْهَا أَرْبَعَة ٌ حُرُمٌ وعندي أن الأول أولى لأن الكفار سلموا أن أربعة منها حرم إلا أنهم بسبب الكبسة ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر شهرًا وكانوا يغيرون مواقع الشهور والمقصود من هذه الآية الرد على هؤلاء فوجب حمل اللفظ عليه

البحث الثاني في تفسير لفظ الدين وجوه الأول أن الدين قد يراد به الحساب يقال الكيس من دان نفسه أي حاسبها والقيم معناه المستقيم فتفسير الآية على هذا التقدير ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدل المستوفى الثاني قال الحسن ذلك الذين القيم الذي لا يبدل ولا يغير فالقيم ههنا بمعنى القائم الذي لا يبدل ولا يغير الدائم الذي لا يزول وهو الدين الذي فطر الناس عليه الثالث قال بعضهم المراد أن هذا التعبد هو الدين اللازم في الإسلام وقال القاضي حمل لفظ الدين على العبادة أولى من حمله على الحساب لأنه مجاز فيه ويمكن أن يقال الأصل في لفظ الدين الانقياد يقال يا من دانت له الرقاب أي انقادت فالحساب يسمى دينًا لأنه يوجب الانقياد والعدة تسمى دينًا فلم يكن حمل هذا اللفظ على التعبد أولى من حمله على الحساب قال أهل العلم الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكواتهم وسائر أحكامهم السنة العربية بالأهلة ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية

ثم قال تعالى فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وفيه بحثان

البحث الأول الضمير في قوله فِيهِنَّ فيه قولان الأول وهو قول ابن عباس أن المراد فلا تظلموا في الشهور الإثني عشر أنفسكم والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقًا في جميع العمر والثاني وهو قول الأكثرين أن الضمير في قوله فِيهِنَّ عائد إلى الأربعة الحرم قالوا والسبب فيه ما ذكرنا أن لبعض الأوقات أثرًا في زيادة الثواب على الطاعات والعقاب على المحظورات والدليل على أن هذا القول أولى وجوه الأول أن الضمير في قوله فِيهِنَّ عائد إلى المذكور السابق فوجب عوده إلى أقرب المذكورات وما ذاك إلا قوله مِنْهَا أَرْبَعَة ٌ حُرُمٌ الثاني أن الله تعالى خص هذه الأشهر بمزيد الاحترام في آية أخرى وهو قوله الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت