فهرس الكتاب

الصفحة 3109 من 6606

والقرب مرجح ظاهر كما في الدعوة وكما في سائر المهمات ألا ترى أن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الابتداء بالحاضر أولى من الذهاب إلى البلاد البعيدة لهذا المهم فوجب الابتداء بالأقرب والثاني أن الابتداء بالأقرب أولى لأن النفقات فيه أقل والحاجة إلى الدواب والآلات والأدوات أقل الثالث أن الفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة الرابع أن المجاورين لدار الإسلام إما أن يكونوا أقوياء أو ضعفاء فإن كانوا أقوياء كان تعرضهم لدار الإسلام أشد وأكثر من تعرض الكفار المتباعدين والشر الأقوى الأكثر أولى بالدفع وإن كانوا ضعفاء كان استيلاء المسلمين عليهم أسهل وحصول عز الإسلام لسبب انكسارهم أقرب وأيسر فكان الابتداء بهم أولى الخامس أن وقوف الإنسان على حال من يقرب منه أسهل من وقوفه على حال من يبعد منه وإذا كان كذلك كان اقتدار المسلمين على مقاتلة الأقربين أسهل لعلمهم بكيفية أحوالهم وبمقادير أسلحتهم وعدد عساكرهم السادس أن دار الإسلام واسعة فإذا اشتغل أهل كل بلد بقتال من يقرب منهم من الكفار كانت المؤنة أسهل وحصول المقصود أيسر السابع أنه إذا اجتمع واجبان وكان أحدهما أيسر حصولًا وجب تقديمه والقرب سبب السهولة فوجب الابتداء بالأقرب الثامن أنا بينا أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ابتدأ في الدعوة بالأقرب فالأقرب وفي الغزو بالأقرب فالأقرب وفي جميع المهمات كذلك فإن الأعرابي لما جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة قال عليه السلام له ( كل مما يليك ) فدلت هذه الوجوه على أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب

فإن قيل ربما كان التخطي من الأقرب إلى الأبعد أصلح لأن الأبعد يقع في قلبه أنه إنما جاوز الأقرب لأنه لا يقيم له وزنًا

قلنا ذاك احتمال واحد وما ذكرنا احتمالات كثيرة ومصالح الدنيا مبنية على ترجيح ما هو أكثر مصلحة على ما هو الأقل وهذا الذي قلناه إنما قلناه إذا تعذر الجمع بين مقاتلة الأقرب والأبعد أما إذا أمكن الجمع بين الكل فلا كلام في أن الأولى هو الجمع فثبت أن هذه الآية غير منسوخة ألبتة

وأما قوله تعالى وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَة ً قال الزجاج فيها ثلاث لغات فتح الغين وضمها وكسرها قال صاحب ( الكشاف ) الغلظة بالكسر الشدة العظيمة والغلظة كالضغطة والغلظة كالسخطة وهذه الآية تدل على الأمر بالتغليظ عليهم ونظيره قوله تعالى وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ( التوبة 73 ) وقوله وَلاَ تَهِنُواْ ( آل عمران 139 النساء 104 ) وقوله في صفحة الصحابة رضي الله عنهم أَعِزَّة ٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ( المائدة 54 ) وقوله أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ ( الفتح 29 ) وللمفسرين عبارات في تفسير الغلظة قيل شجاعة وقيل شدة وقيل غيظًا

واعلم أن الغلظة ضد الرقة وهي الشدة في إحلال النقمة والفائدة فيها أنها أقوى تأثيرًا في الزجر والمنع عن القبيح ثم إن الأمر في هذا الباب لا يكون مطردًا بل قد يحتاج تارة إلى الرفق واللطف وأخرى إلى العنف ولهذا السبب قال وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَة ً تنبيهًا على أنه لا يجوز الاقتصار على الغلظة ألبتة فإنه ينفر ويوجب تفرق القوم فقوله وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَة ً يدل على تقليل الغلظة كأنه قيل لا بد وأن يكونوا بحيث لو فتشوا على أخلاقكم وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة وهذا الكلام إنما يصح فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة ومع ذلك فلا يخلو عن نوع غلظة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت