فهرس الكتاب
أبت قتلتني فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء فقال عليه السلام { ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما كان في الإسلام يهدمه الاستغفار } واعلم أنهم كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت ومنهم من يرميها من شاهق جبل ومنهم من يغرقها ومنهم من يذبحها وهم كانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية وتارة خوفا من الفقر والفاقة ولزوم النفقة ثم إنه قال ألا ساء ما يحكمون وذلك لأنهم بلغوا من الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات فأولها أن يسود وجهه وثانيها أنه يختفي عن القوم من شدة نفرته عن البنت وثالثها أن الولد محبوب بحسب الطبيعة ثم إنه بسبب شدة نفرته عنها يقدم على قتلها وذلك يدل على أن النفرة عن البنت والاستنكاف عنها قد بلغ مبلغا لا يزداد عليه إذا ثبت هذا فالشيء الذي بلغ الاستنكاف منه إلى هذا الحد العظيم كيف يليق بالعاقل أن ينسبه لإله العالم المقدس العالي عن مشابهة جميع المخلوقات ونظير هذه الآية قوله تعالى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى النجم 22
المسألة الثانية قال القاضي هذه الآية تدل على بطلان الخبر لأنهم يضيقون إلى الله تعالى من الظلم والفواحش ما إذا أضيف إلى أحدهم أجهد نفسه في البراءة منه والتباعد عنه فحكمهم في ذلك مشابهة لحكم هؤلاء المشركين ثم قال بل أعظم لأن إضافة البنات إليه إضافة قبح واحد وذلك أسهل من إضافة كل القبائح والفواحش إلى الله تعالى فيقال للقاضي إنه لما ثبت بالدليل استحالة الصاحبة والولد على الله تعالى أردفه الله تعالى بذكر هذا الوجه الاقناعي وإلا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح من الله تعالى ألا ترى رجلا زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن ثم بالغ في تقوية الشهوة فيهم وفيهن ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله تعالى وقبيح من كل خلق فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على العرف فلا جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الاقناعية أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية القاطعة أن خالقها هو الله تعالى فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر لولا شدة التعصب والله أعلم
ثم قال تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى والمثل لاسوء عبارة عن الصفة السوء وهي احتياجهم إلى الولد وكراهتهم الإناث خوف الفقر والعار ولله المثل الأعلى أي الصفة العالية المقدسة وهي كونه تعالى منزها عن الولد
فإن قيل كيف جاء ولله المثل الأعلى مع قوله فلا تضربوا لله الأمثال النحل 74
قلنا المثل الذي يذكره الله حق وصدق والذي يذكره غيره فهو الباطل والله أعلم