فهرس الكتاب
قوله تعالى
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أنم لهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون
اعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم بين أنه يمهل هؤلاء الكفار ولا يعالجهم بالعقوبة إظهارا للفضل والرحمة والكرم وفي الآية مسائل
المسألة الأولى احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى ولو يؤاخ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة من وجهين الأول أنه قال ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم فأضاف الظلم إلى كل الناس ولا شك أن الظلم من المعاصي فهذا يقتضي كون كل إنسان آتيا بالذنب والمعصية والأنبياء عليهم السلام من الناس فوجب كونهم آتين بالذنب والمعصية والثاني أنه تعالى قال ما ترك على ظهرها من دابة وهذا يقتضي أن كل من كان على ظهر الأرض فهو آت بالظلم والذنب حتى يلزم من إفناء كل من كان ظالما إفناء كل الناس أما إذا قلنا الأنبياء عليهم السلام لم يصدر عنهم ظلم فلا يجب إفناؤهم وحينئذ لا يلزم من إفناء كل الظالمين إفناء كل الناس وأن لا يبقى على ظهر الأرض دابة ولما لزم علمنا أن كل البشر ظالمون سواء كانوا من الأنبياء أو لم يكونوا كذلك
والجواب ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فاطر 32 أي فمن العباد من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ولو كان المقتصد والسابق ظالما لفسد ذلك التقسيم فعلمنا أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال كل الخلق ظالمون
وإذا ثبت هذا فنقول الناس المذكورون في قوله ولو يؤاخذ الله الناس إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات وعلى هذا التقدير فيسقط الاستدلال والله أعلم
المسألة الثانية من الناس من احتج بهذه الآية على أن الأصل في المضمار الحرمة فقال لو كان الضرر مشروعا لكان إما أن يكون مشروعا على وجه يكون جزاء على جرم صادر منهم أو لا على هذا الوجه والقسمان باطلان فوجب أن لا يكون مشروعا أصلا
أما بيان فساد القسم الأول فقوله تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة