فهرس الكتاب

الصفحة 3724 من 6606

والاستدلال به من وجهين الأول أن كلمة لو وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره فقوله لول يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة يقتضي أنه تعالى ما أخذهم بظلمهم وأنه ترك على ظهرها من دابة والثاني أنه لما دلت الآية على أن لازمة الله الناس بظلمهم هو أن لا يترك على ظهرها دابة ثم إنا نشاهد أنه تعالى ترك على ظهرها دواب كثيرين فوجب القطع بأنه تعالى لا يؤاخذ الناس بظلمهم فثبت بهذا أنه لا يجوز أن تكون المضار مشروعة على وجه تقع أجزية عن الجرائم

وأما القسم الثاني وهو أن يكون مشروعا ابتداء لا على وجه يقع أجزية عن جرم سابق فهذا باطل بالاجماع فثبت أن مقتضى هذه الآية تحريم المضار مطلقا ويتأكد هذا أيضا بآيات أخرى كقوله تعالى ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها الأعراف 56 وكقوله وما جعل عليكم في الدين من حرج الحج 78 وكقوله يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر البقرة 185 وكقوله عليه السلام { لا ضرر ولا ضرار في الإسلام } وكقوله { ملعون من ضر مسلما } فثبت بمجموع هذه الآيات والأخبار أن الأصل في المضار الحرمة فنقول إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من كل الوجوه فإن وجدنا نصا خاصا يدل على كونه مشروعا قضينا به تقديما للخاص على العام وإلا قضينا عليه بالحرمة بناء على هذا الأصل الذي قررناه ومنهم من قال هذه القاعدة تدل على أن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون في حقه لأن المنع منه ضرر والضرر غير مشروع بمقتضى هذا الأصل وكل ما يكرهه الإنسان وجب أن يحرم لأن وجوده ضرر والضرر غير مشروع فثبت أن هذا الأصل يتناول جميع الوقائع الممكنة إلى يوم القيامة ثم نقول القياس الذي يتمسك به في إثبات الأحكام إما أن يكون لى وفق هذه القاعدة أو على خلافها والأول باطل لأن هذا الأصل يغني عنه والثاني باطل لأن النص راجح على القياس والله أعلم

المسألة الثالثة قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن الظلم والمعاصي ليست فعلا لله تعالى بل تكون أفعالا للعباد لأنه تعالى أضاف ظلم العباد إليهم وما أضافه إلى نفسه فقال ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم وأيضا فلو كان خلقا لله تعالى لكانت مؤاخذتهم بها ظلما من الله تعالى ولما منع الله تعالى العباد من الظلم في هذه الآية فبأن يكون منزها عن الظلم كان أولى قالوا ويدل أيضا على أن أعمالهم مؤثرة في وجوب الثواب والعقاب أن قوله بظلمهم الباء فيه تدل على العلية كما في قوله ذلك بأنهم شاقوا الله الأنفال 13

واعلم أن الكلام في هذه المسائل قد ذكرناه مرارا فلا نعيده والله أعلم

المسألة الرابعة ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم يوجب إهلاك جميع الدواب وذلك غير جائز لأن الدابة لم يصدر عنها ذنب فكيف يجوز إهلاكها بسبب ظلم الناس

والجواب عنه من وجهين

الوجه الأول أنا لا نسلم أن قوله ما ترك على ظهرها من دابة يتناول جميع الدواب وأجاب أبو علي الجبائي عنه أن المراد لو يؤاخذهم الله بما كسبوا من كفر ومعصية لعجل هلالكهم وحينئذ لا يبقى لهم نسل ثم من المعلوم أنه لا أحدا إلا وفي أحد آبائه من يستحق العذاب وإذا هلكوا فقد بطل نسلهم فكان يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من الناس وإذا بطلوا وجب أن لا يبقى أحد من الدواب أيضا لأن الدواب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت